النسابة المحقق المؤرخ مصطفي بن سالم العقيلي يكتب: نسب قبيلة الحداربة

قال العقيلي: قبيلة الحداربة وهي أيضا تسكن سواكن من بلاد البجا فى السودان وأريتريا ومصر وقيل أنهم من العرب، تقع على نهاية خليج ضيق يبلغ طوله أثنى عشر ميلا وعرضه ميلين، وفى سواكن نحو ستمائة بيت، ثلثاها متهدم لأن قوالب عرق اللؤلؤ التى بنيت بها سريعة البلى اذا لم يتعهدها القوم بالترميم المستمر، وليس بالمدينة من المبانى العامة سوى مساجد ثلاثة، وفى ضاحية القيف بعض بيوت من الحجر تلحظ فيها أسلوب العمارة السوداني لا العربى، ولها حيشان كبيرة، وسائر البيوت بعد ذلك من الحصر كبيوت البدو النوبيين، وبالقيف مسجد واحد لا غير.
وذكرهم المقر الشهابي ابن فضل الله في كتابه التعريف بالمصطلح الشريف وقال: أنه كان لهم شيخ يسمى الأمير سمرة بن مالك، وأنه ذو عدد جم وشوكة منكية يغزو الحبشة وأمم السودان ويأتي بالنهب وبالسبايا، وله أثر محمود، وفعل مأثور، وذكر أنه وفد على دولة السلطان الناصر قلوون وأكرم مثواه وعقد له لواء وشرف بالتشريف وقلد ذلك وكتب إلى ولاة الوجه القبلي عن أخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد، وكتب له تقليدا بأمرة عربان القبيلة مما يلى قوص ومنشور له بما يفتحه من البلاد إلى حيث تصل غايته.
وذكرهم بوركهارت في كتابة بلاد النوبة والسودان سنة 1814 م وقال: وأهل سواكن، كأهل ثغور البحر الأحمر جميعا، أخلاط من الناس، على أنك تلحظ فيهم عنصرا هاما متميزا عن سواه، فأسلاف الأسر الكبيرة من عرب سواكن كانوا من أهل حضرموت، وكان جلهم من مدينة شاهر، وهى ثغر حضرموت الواقع على المحيط الهندى، وقد نزلوا سواكن، فى رواية، قبل قرن من الزمان تقريبا، وفى رواية أنهم نزلوها عقب انتشار الإسلام هناك، ومن هنا ينسب الأجانب أهل المدينة إلى هؤلاء فيسمونهم الحضارمة (الحداربة)، أما أهل المدينة أنفسهم فيميزون أدق التمييز بين الحضاربة الخلص من سلالة أهل حضرموت وبين سواهم من النزلاء الذين يسمونهم سواكنية.
ويدخل فى هؤلاء السواكنية عدد كبير من قبائل البدو الهدندوة والأمرأر والبشارية وغيرهم من أصل عربى وتركي، ويختلط هؤلاء البدو اختلاطا كبيرا بالحداربة، ويحتفظون بأسمائهم البدوية حتى اذا سكنوا المدينة،
وأكثر أسلال الترك منحدر من الحامية التركية التى أرسلها السلطان سليم بعد فتحه مصر لتعسكر فى سواكن كما أرسل غيرها من الحاميات لاحتلال أسوان وابريم وصاى، ويزعم كثير منهم أن أجدادهم من دياربكر والموصل، ولكن سلالتهم الحالية تتميز بالسحنة والطباع الافريقية، ولا يمكن أن تفرق بينهم وبين الحداربة فى شي.
كذلك تجد فى سواكن التجار والربابنة واللاجئين وغيرهم ممن أنحدروا من مستعمرين أحدث عهدا من الأولين، ولكنهم نسوا التركية من زمن مديد، وتربطهم اليوم روابط المصلحة ووشائج الدم بأسلال الوافدين من حواضر العرب، وهم هنا كثيرون، وزيهم زى حضر الحجاز وطباعهم وعاداتهم هى طباع أهل الحجاز وعادتهم، وعلى ذلك تجد فى سواكن سلالتين متميزتين، (1) البدو من حداربة وهدندوة الخ بما فيهم أحفاد الترك القدامى (2) الحضر، وهم اما عرب من الساحل المقابل أو ترك محدثون، ويتزاوج البدو فيما بينهم، ولكن يصعب على الحضرى أن يتزوج بدوية لأن بنات الأسر الكبرى لا يزوجن الا للبدو، ويسكن البدو ضاحية القيف، أما الحضر فيسكنون الجزيرة.
ونقل مصطفى العقيلي عن بوركهارت وقال: وزمام سواكن فى يد أمير الحداربة، ويختار من كبريات أسر القبيلة وعددها خمسة، ويميزونها عما عداها من الأسر بكلمة (أرتيقة) وهى كلمة بشارية تعنى الأشراف، وقضاء القيف موكول إلى الأمير، ولكن سلطانه على البدو ضعيف وان رأس محاكمهم، وهو تابع لباشا جدة رسميا، غير أن سلوكه رهن بقوة متبوعه أو ضعفة، فحين كان أمر جدة إلى الشريف غالب، وكان الوهابيون أنئذ يشددون عليه النكير ويحدقون به من كل جانب، كان الأمير مستقلا عنه تمام الاستقلال، أما بعد أن فتح محمد على والى مصر الحجاز فقد فاوض الباشا وأبرم معه اتفاقا، ويثيته حاكم جدة، أيا كان، فى مركزه سنويا ويخول له السلطة فى أن يجي من القيف المكوس التى يفرضها الحداربة على القوافل القادمة من الداخل.
ولقد مضت عليه أعوام لم يدفع فيها للشريف شيئا نظير هذا الامتياز، أما اليوم فان خوفه من محمد على باشا قد حمله على شراء حق الجباية سنويا بنحو أربعين أوقية من الذهب أو ما يعادل 800 ريال اسبانى.
ويشارك الحداربة وبدو سواكن البدو النوبيين سحنهم ولغتهم وزيهم، ولباسهم من الدمور المجلوب من سنار، ولكن سراتهم، رجالا ونساء، يلبسون القمصان النوبية المصنوعة من البفتة الهندية، على أنهم لا يرتدون الا ثوبا واحدا،
وقل أن تجد لهذا نظيرا فى سائر أنحاء النوبة، ويتألف من قطعة طويلة من البفتة يلف أحد طرفيها حول الخاصرة ويلقى الطرف الأخر على الصدر والكتف اليسرى ويتدلى على الظهر تاركا الساقين وأكثر الجذع عاريا, ذلك هو الثوب الفضفاض الذى يفضله الحداربة، فاذا أضفت اليه خفين جميلين، وثلاث تمائم كبار أو أربع كتلك التى يلبسها القوم فى وادى النيل متدلية على المرفق الأيسر، وسيفا، وكرباجا فى يد الرجل , وشعرا كثا بيضه بالدهن، وسيحا خشبيا طويلا دسه فيه ليحك به رأسه، فقد اجتمعت لك صورة لا بأس بها لبدوى سواكن ولهؤلاء البدو سحن معبرة ولحى خفيفة قصيرة، وفى بشرتهم سمرة شديدة توشك أن تكون سوادا، ولكنهم براء من السحنة الزنجية، ثم أنهم يمتازون بالجسم القوى والعضل المفتول.
ومن البدو الحداربة من يمضى فى الرحلة إلى ساحل بلاد العرب بعد أن يؤم سوق سنار، ومنهم من يبيع سلعه الافريقية للتجار فى سواكن فيتولى هؤلاء تصديرها إلى بلاد العرب.
ولا تقلع سفينة فى سواكن إلى جهة من ساحل بلاد العرب دون أن توسق ذرة من التاكة فوق ما وسقت من سلع شندى وسنار (وهى العبيد والذهب والتبغ واللبان وريش النعام)، وتزود السفن معظم الحجاز بقرب الماء والجربان الجلدية والجلد المدبوغ.
وقال أيضا: وتنصب سوق سواكن بالقيف فى ساحة مكشوفة تحيط بها أكواخ تعرض فيها نفس السلع التى تعرض فى سوق شندى تقريبا، وفيها يقايض البدو على الجلود ويأخذون حاجتهم من الذرة والدمور، ويجي الحداربة والهدندوة الذين يحتكرون التجارة مع التاكة الأرباح الطائلة من بيع الذرة للبدو الشماليين.
وبالجزيرة مقهى واحد يقضى فيه أهل المدينة والحداربة أهم مصالحهم ويؤدون ثمن القهوة ذرة، ووسيلة الانتقال بين القيف والجزيرة الطوف أو الرمث، ويعطون الرجل الذى يديره حفنة من الذرة.
والبشارية هى لغة الكلام الغالبة فى سواكن، أما العربية فيتكلمونها بلهجة سقيمة مع أن أهل القيف جميعا يفهمونها، ولكن أهل المدينة يتكلمونها بوصفها لغتهم القومية، وينطقونها بلهجة أهل جدة، وقد رأيت بين جيرانهم الهدندوة الذين يجلبون لسوق القيف السمن والغنم كثيرين يجهلون العربية جهلا مطبقا.
قلت: كان أول من عقد مع ملك البجا الهدنة في أواخر القرن الأول الهجري هو عبد الله بن الحجاب السلولي، فقد عقد معهم معاهدة أمان وحسن جوار، وكان نائب ملك البجه مقيما بالريف المصري رهينة، وهذا النائب من الحدارب، بيت المملكة، وهم شوكة القوم ووجهائهم المشهورون بالشهامة والشجاعة، ويخضع لسلطان الحداربة أشد بطون البجة في ذلك العصر وهم الزنافج، والذين كانوا كالعبيد لهم يتوارثونهم وقبائل الحداربة يقال أنهم قبائل حضرمية نزلت صعيد مصر بأعداد غفيرة وخاصة فى اسيوط وسوهاج واسوان ووادى العلاقي حيث أرض المعادن وكان من كثرتهم تحمل لهم المؤن على ستين ألف راحلة.
وذكرهم القلقشندي في نهاية الأرب وقال: الحداربة بطن من العرب بسواكن من بلاد البجاة, ذكرهم المقر الشهابي ابن فضل الله في كتابه التعريف بالمصطلح الشريف ولم ينسبهم الى قبيلة, ذكر انه كان لهم شيخ يسمى سمرة بن سالك, وانه ذو عدد جم وشوكة منكية يغزو الحبشة وامم السودان ويأتي بالنهب وبالسبايا, وله أثر محمود, وفعل مأثور, وذكر أنه وفد على السلطان وعقد له لواءا وشرف بالتشريف وقلد ذلك وكتب الى ولاة الوجه القبلي عن أخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد, وكتب له تقليدا بأمرة عربان القبلة مما يلي قوص ومنشور له بما يفتحه من البلاد .
المصدر/ كتاب دليل الأنساب لمعرفة الأعقاب للعقيلي. ص782 الي ص785.



