مقالات

علاء عبدالله يكتب: علي الشرفاء الحمادي يدعو إلى “الرخصة الأسرية” لتأهيل المقبلين على الزواج وحماية الأسرة من التفكك

يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي ملف الاستعداد للحياة الزوجية، من خلال طرح فكرة التأهيل الإلزامي للمقبلين على الزواج، باعتبارها خطوة ضرورية لحماية الأسرة من المشكلات التي قد تنشأ نتيجة غياب الوعي بطبيعة العلاقة الزوجية ومسؤولياتها، وينطلق في مقاله من تساؤل مهم حول التناقض بين اشتراط التعلم والتدريب لممارسة كثير من المهن والأنشطة، وبين دخول البعض إلى مؤسسة الزواج دون إعداد علمي أو نفسي أو معرفي يؤهلهم لتحمل مسؤولياتها.

ويؤكد الشرفاء الحمادي أن الزواج ليس مجرد عقد أو احتفال اجتماعي وانتقال من منزل إلى آخر، وإنما مشروع حياة متكامل، تترتب عليه مسؤوليات تجاه الزوجين والأبناء والمجتمع، ومن هنا يرى أن الاستعداد لهذه المرحلة ينبغي أن يسبق عقد الزواج، حتى يمتلك الطرفان المعرفة اللازمة لفهم طبيعة الحياة المشتركة والتعامل مع تحدياتها.

ويركز المقال على أن كثيرًا من المشكلات الزوجية لا ترتبط بالضرورة بغياب المحبة أو سوء الأخلاق، وإنما قد تنتج عن عدم معرفة كل طرف باحتياجات الطرف الآخر وحقوقه وواجباته، فضلًا عن غياب المهارات اللازمة لإدارة الخلافات والتعامل مع الضغوط اليومية.

ويشير الكاتب إلى أن التصورات غير الواقعية التي تتكون لدى الشباب والفتيات من خلال الأفلام والمسلسلات والحكايات المتداولة قد تصطدم بمتطلبات الحياة الفعلية، فتظهر الخلافات وسوء الفهم، ويجد الزوجان نفسيهما أمام مسؤوليات لم يستعدا لها بالشكل الكافي، ولذلك يطرح التأهيل المسبق باعتباره وسيلة للوقاية قبل وقوع الأزمات، بدلًا من الاكتفاء بمحاولة علاج آثارها بعد حدوث الانفصال.

ويستند الشرفاء الحمادي إلى المنهج القرآني الذي يجعل العلم والبصيرة أساسًا للعمل، موضحًا أن بناء الأسرة يحتاج إلى فهم واعٍ لفلسفة الزواج كما عرضها القرآن الكريم، وما تتضمنه من معاني السكن والمودة والرحمة والشورى والإحسان إلى جانب معرفة حقوق الزوجين والأبناء.

ويرى أن الجهل بهذه المعاني قد يؤدي إلى اختلال العلاقة الزوجية، بينما يساعد الوعي بها على تأسيس حياة مشتركة تقوم على التفاهم والاحترام وتحمل المسؤولية، ومن هذا المنطلق، يؤكد أن المعرفة في شؤون الأسرة ليست أمرًا ثانويًا بل ضرورة تزداد أهميتها بسبب امتداد آثار الزواج إلى الأبناء والأجيال القادمة والمجتمع بأكمله.

ومن أبرز الأفكار التي يقدمها المقال إنشاء ما يسميه “الرخصة الأسرية” وهي شهادة يحصل عليها المقبلون على الزواج بعد حضور برنامج تدريبي متكامل واجتياز متطلباته الأساسية، بحيث يصبح التأهيل خطوة سابقة على إبرام عقد الزواج.

ويوضح الكاتب أن الهدف من المقترح ليس التضييق على حرية الأفراد أو تعقيد إجراءات الزواج، وإنما تزويد الطرفين بالمعرفة والمهارات التي تساعدهما على فهم طبيعة الحياة الأسرية، والتعامل مع المسؤوليات الجديدة بصورة أكثر وعيًا، ويطرح بذلك تصورًا ينتقل بالاستعداد للزواج من نطاق النصائح العائلية والتجارب الشخصية إلى إطار تدريبي منظم تشارك فيه تخصصات علمية ومهنية متعددة.

ويقترح الشرفاء الحمادي أن يشارك في البرنامج عدد من المتخصصين بحيث يتناول كل منهم جانبًا أساسيًا من جوانب الحياة الزوجية، بداية من أستاذ الدراسات القرآنية الذي يشرح فلسفة الأسرة وحقوق أفرادها، مرورًا بالطبيب النفسي الأسري وخبير العلاقات الزوجية، لتوضيح الاحتياجات النفسية والعاطفية ومهارات الحوار والاستماع والاعتذار وإدارة الخلافات.

كما يشمل البرنامج طبيبًا متخصصًا في الصحة الإنجابية لتقديم المعلومات المتعلقة بالصحة الزوجية والحمل والإنجاب والفحوص الطبية، إلى جانب خبير الاقتصاد الأسري الذي يتناول إدارة الدخل والميزانية والادخار والتعامل مع الديون، ويكتمل التصور بمشاركة أستاذ للتربية وتنمية الطفل ومستشار قانوني يوضح الحقوق والواجبات والإجراءات المتعلقة بالعلاقات الأسرية والنزاعات.

ويعكس هذا التنوع رغبة الكاتب في التعامل مع الزواج باعتباره منظومة متكاملة، لا تقتصر على الجانب العاطفي أو الاجتماعي وحده وإنما تشمل الجوانب الدينية والنفسية والصحية والاقتصادية والتربوية والقانونية.

ويحدد المقال سبعة محاور رئيسية للبرنامج التدريبي، تشمل فلسفة الأسرة في القرآن، والاستعداد النفسي للزواج، والتواصل والحوار، والإدارة المالية، والصحة الإنجابية، وتربية الأبناء، وإدارة الخلافات وحل النزاعات، وهي محاور تستهدف إعداد الطرفين للتعامل مع المواقف المختلفة التي قد تواجههما خلال الحياة المشتركة.

كما يقترح إخضاع المقبلين على الزواج لجلسات تقييم علمية تساعدهما على التعرف إلى درجة التوافق بينهما، ورصد نقاط الاختلاف مبكرًا، خاصة فيما يتعلق بالرؤية الدينية والتصورات الأسرية وإدارة المال والرغبة في الإنجاب وطريقة حل الخلافات والأهداف المستقبلية والعلاقة بالعائلتين، ويؤكد أن الغرض من هذا التقييم ليس منع الزواج.وإنما مساعدة الطرفين على فهم طبيعة الاختلافات والاستعداد للتعامل معها بوعي.

وينتقل المقال إلى التأكيد على أهمية تبني ثقافة الوقاية بدلًا من الاكتفاء بعلاج النتائج، موضحًا أن المشكلات الأسرية غالبًا ما تتراكم تدريجيًا نتيجة سوء الفهم وغياب المعرفة وضعف مهارات التواصل، ومن ثم، فإن الاستثمار في تأهيل المقبلين على الزواج قد يساعد على تقليل الأزمات التي تتحمل الأسرة والمجتمع آثارها لاحقًا.

وفي هذا السياق، يدعو الشرفاء الحمادي إلى إنشاء مؤسسة وطنية لحماية الأسرة، تتولى إعداد البرامج التدريبية وتأهيل المدربين ومتابعة مراكز الإرشاد الأسري وإجراء الدراسات الميدانية وتقديم الدعم العلمي للأسر، إلى جانب وضع مؤشرات دورية لقياس الاستقرار الأسري، ويعكس هذا المقترح توجهًا نحو تحويل حماية الأسرة إلى جزء من التخطيط المجتمعي والمؤسسي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مسؤولية فردية أو استجابة مؤقتة للمشكلات.

وتتمثل الرسالة الأساسية للمقال في أن نجاح الحياة الزوجية لا يبدأ من ليلة الزفاف، وإنما من مرحلة سابقة تقوم على الوعي والاستعداد واكتساب المعرفة اللازمة لتحمل المسؤولية، فكلما امتلك الزوجان فهمًا أفضل لحقوقهما وواجباتهما، وأدركا طبيعة الاختلافات وكيفية التعامل معها، ازدادت فرص بناء علاقة مستقرة تقوم على التفاهم والاحترام المتبادل.

ويعيد الشرفاء الحمادي من خلال هذا الطرح طرح قضية التأهيل الأسري باعتبارها قضية مجتمعية تتجاوز حدود الزوجين، نظرًا لما يترتب على استقرار الأسرة من آثار في تربية الأبناء وتماسك المجتمع، ويضع مقترح “الرخصة الأسرية” أمام النقاش المجتمعي بوصفه تصورًا للانتقال من التعامل مع الطلاق بعد وقوعه إلى الاستثمار في الوعي قبل الزواج، وحماية الميثاق الغليظ الذي أراد الله أن تقوم عليه الحياة الزوجية على السكن والمودة والرحمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى