المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب.. التأهيل الإلزامي للمقبلين على الزواج.. من عقد شكلي إلى مشروع حياة
من أعجب ما يراه الإنسان في مجتمعاتنا أن الشاب إذا أراد قيادة سيارة، وجب عليه أن يتعلم، ويخضع للاختبار، ويحصل على رخصة تثبت أهليته، وإذا أراد ممارسة مهنة، وجب عليه أن يدرس سنوات طويلة قبل أن يُؤذن له بممارستها. وإذا أراد إنشاء شركة أو مؤسسة، وجب عليه أن يكتسب الخبرة والمعرفة اللازمتين.
أما الزواج، وهو أخطر مشروع إنساني في حياة الإنسان، وأعظم مسؤولية اجتماعية وأشدها أثرًا في مستقبل الأجيال، فإن كثيرًا من الناس يدخلون إليه بلا علم، ولا تدريب، ولا تأهيل.
يدخل الشاب إلى الزواج وهو لا يعرف طبيعة المرأة النفسية، ولا احتياجاتها العاطفية، ولا مسؤولياته الأسرية. وتدخل الفتاة إلى الزواج وهي تحمل تصورات صنعتها الأفلام والمسلسلات والحكايات المتناقلة بين الناس.
ثم تبدأ الحياة الواقعية، فتظهر الصدمات، وتبدأ الخلافات، ويتبادل الطرفان الاتهامات، ويكتشف كل منهما أنه لم يكن مستعدًا للمسؤولية التي أقبل عليها.
ومن هنا، فإن أول خطوة حقيقية لإنقاذ الأسرة تبدأ قبل الزواج، لا بعد وقوع الطلاق، وتبدأ بالتأهيل العلمي والنفسي والأخلاقي للمقبلين على الزواج.
لماذا نحتاج إلى التأهيل قبل الزواج؟
لأن الزواج ليس مجرد احتفال اجتماعي، وليس مناسبة عائلية، وليس انتقالًا من بيت إلى بيت؛ إنه انتقال إلى مسؤولية جديدة ستؤثر في حياة الزوجين والأبناء والمجتمع كله.
فالزوج يصبح مسؤولًا عن أسرة، والزوجة تصبح مسؤولة عن أسرة، وكلاهما يصبح مسؤولًا أمام الله عن بناء بيت قائم على السكن والمودة والرحمة، ولهذا، فإن الجهل بطبيعة الحياة الزوجية يتحول مع الوقت إلى أحد أخطر أسباب الانفصال.
إن كثيرًا من حالات الطلاق لا تعود إلى سوء الأخلاق، ولا إلى انعدام الحب، بل إلى الجهل: جهل كل طرف بطبيعة الطرف الآخر، وجهله بحقوقه وواجباته، وجهله بكيفية إدارة الخلافات، وجهله بفلسفة الأسرة التي أرادها الله في كتابه.
القرآن يدعو إلى العلم قبل العمل
إن المنهج القرآني قائم على العلم والفهم والبصيرة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فإذا كان العلم مطلوبًا في كل شؤون الحياة، فهو في شؤون الأسرة أولى وأوجب؛ لأن آثار الخطأ في الزواج لا تتوقف عند شخص واحد، بل تمتد إلى الأبناء والأحفاد والمجتمع بأسره.
مشروع الرخصة الأسرية
إنشاء ما يمكن تسميته «الرخصة الأسرية»، وهي شهادة تمنح للمقبلين على الزواج بعد اجتياز برنامج تدريبي متكامل، بحيث لا يُبرم عقد الزواج إلا بعد حضور البرنامج واجتياز متطلباته الأساسية.
ولا يكون الهدف من ذلك التعقيد أو المنع، وإنما حماية الأسرة من الجهل الذي أصبح أحد أكبر أسباب الانهيار. كما لا يهدف البرنامج إلى التدخل في حرية الناس، بل إلى تزويدهم بالمعرفة التي تمكنهم من بناء حياة مستقرة.
الجهات المشاركة في البرنامج
أولًا: أستاذ الدراسات القرآنية
وتكون مهمته شرح فلسفة الأسرة في القرآن، وبيان معنى الميثاق الغليظ، ومعنى السكن والمودة والرحمة والشورى والإحسان، وحقوق الزوجين والأبناء كما وردت في كتاب الله. والغاية من ذلك تأسيس العلاقة على مرجعية قرآنية واضحة منذ البداية.
ثانيًا: الطبيب النفسي الأسري
ويقوم بشرح الفروق النفسية بين الرجل والمرأة، وطبيعة الاحتياجات العاطفية لكل منهما، وأسباب النزاعات الزوجية الشائعة، وطرق التعامل مع الضغوط النفسية، وإدارة الغضب والانفعالات، وكيفية بناء الحوار الإيجابي داخل الأسرة.
ثالثًا: خبير العلاقات الزوجية
ويشرح المهارات العملية للحياة المشتركة، ومنها: فن الحوار، وفن الاستماع، وفن الاعتذار، وفن حل الخلافات، وإدارة التوقعات، والتعامل مع أسرة الزوج وأسرة الزوجة، وبناء الثقة المتبادلة.
رابعًا: الطبيب المختص بالصحة الإنجابية
ويقدم المعلومات العلمية المتعلقة بالصحة الزوجية والحمل والإنجاب والأمراض الوراثية والفحوص الطبية الضرورية، وكل ما يساعد على بناء أسرة سليمة صحيًا.
خامسًا: خبير الاقتصاد الأسري
لأن كثيرًا من النزاعات تبدأ من المال، ويشرح للمقبلين على الزواج: إدارة الدخل، وإعداد الميزانية، وترتيب الأولويات، والتخطيط للمستقبل، والتعامل مع الديون، وثقافة الادخار، وثقافة الإنفاق الرشيد.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾.
سادسًا: أستاذ التربية وتنمية الطفل
ويبيّن أسس التربية السليمة، والمراحل النفسية لنمو الطفل، وأهمية القدوة، وخطورة العنف الأسري، ودور الأب والأم في بناء شخصية الأبناء.
سابعًا: المستشار القانوني
ويشرح الحقوق والواجبات المنصوص عليها في عقد الأسرة القرآنية، وآليات حل النزاعات، وحقوق الأبناء، وإجراءات الانفصال إن تعذر استمرار الحياة الزوجية.
محاور البرنامج التدريبي
يقسم البرنامج إلى سبع وحدات رئيسية:
الوحدة الأولى: فلسفة الأسرة في القرآن.
الوحدة الثانية: الاستعداد النفسي للزواج.
الوحدة الثالثة: التواصل والحوار.
الوحدة الرابعة: الإدارة المالية للأسرة.
الوحدة الخامسة: الصحة الإنجابية.
الوحدة السادسة: تربية الأبناء.
الوحدة السابعة: إدارة الخلافات وحل النزاعات.
اختبار التوافق
ومن المقترحات المهمة أن يخضع الطرفان لجلسات تقييم علمية تساعدهما على معرفة درجة التوافق بينهما. ولا يكون الهدف منع الزواج، وإنما كشف نقاط الاختلاف مبكرًا حتى يمكن التعامل معها بوعي.
ومن أهم الجوانب التي يتم تقييمها: الرؤية الدينية، والتصورات الأسرية، وإدارة المال، والرغبة في الإنجاب، وطريقة حل الخلافات، والأهداف المستقبلية، والعلاقة بالعائلة الممتدة.
ثقافة الوقاية خير من العلاج
لقد أنفقت المجتمعات مليارات الأموال على علاج آثار الطلاق في المحاكم، ودور الرعاية، والعلاج النفسي، وبرامج حماية الأطفال، بينما كان يمكن تجنب جزء كبير من هذه المشكلات لو تم الاستثمار في الوقاية قبل وقوع الأزمة.
فالأسرة لا تنهار فجأة، بل تنهار نتيجة تراكم أخطاء صغيرة، وجهل متواصل، وسوء فهم متبادل. ولهذا، فإن التأهيل قبل الزواج ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة اجتماعية وحضارية.
نحو مؤسسة وطنية لحماية الأسرة
إنشاء هيئة وطنية للأسرة تكون مهمتها: إعداد البرامج التدريبية، وتأهيل المدربين، ومتابعة مراكز الإرشاد الأسري، وإجراء الدراسات الميدانية، وتقديم الدعم العلمي للأسر، ووضع مؤشرات دورية لقياس الاستقرار الأسري، حتى تصبح حماية الأسرة جزءًا من التخطيط الاستراتيجي للدولة، لا مجرد رد فعل بعد وقوع الكوارث الاجتماعية.
إن بناء أسرة مستقرة لا يبدأ ليلة الزفاف، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات من الوعي والتأهيل والاستعداد. وكلما ارتفع مستوى المعرفة لدى الزوجين، انخفضت احتمالات الصراع، وازدادت فرص النجاح.
فالأسرة التي تُبنى على العلم أقدر على الاستقرار، والأسرة التي تُبنى على الوهم والتصورات الخاطئة تكون أكثر عرضة للانهيار.
ومن هنا، فإن التأهيل قبل الزواج ليس قيدًا على الحرية، بل حماية للميثاق الغليظ، وحفظ للسكن والمودة والرحمة التي أرادها الله أساسًا للحياة الزوجية.


