القبائل والعائلات العربية

 من الهجرات اليمنية إلى تأسيس الفسطاط.. كيف شاركت القبائل العربية في فتح مصر؟

لم تكن صلة القبائل العربية بمصر وليدة الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، وإنما سبقتها حركة طويلة من الهجرات العربية القادمة من جنوب الجزيرة العربية إلى مناطق مختلفة من الشام ومصر وشمال إفريقيا، وكان لبعض القبائل اليمنية حضور قديم في مصر وما حولها.

وتداخلت خلال تلك القرون أنساب القبائل وتحالفاتها ومواطن استقرارها، حتى أصبح وجود جماعات عربية في مناطق من مصر والشام أمرًا سابقًا على الفتح الإسلامي بوقت طويل، ولذلك لم يدخل جيش عمرو بن العاص أرضًا مجهولة تمامًا للعرب، وإنما كانت هناك جماعات وقبائل عربية تعرف المنطقة وتعيش في محيطها.

 اليمنيون في جيش عمرو بن العاص

عندما اتجه عمرو بن العاص إلى فتح مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، لم يكن الجيش الذي دخل مصر مكوّنًا من قبيلة واحدة، وإنما ضم جماعات وقبائل عربية متعددة، وكان من بينها قبائل ذات أصول يمنية وقحطانية.

وتذكر المصادر التاريخية أسماء عدد من القبائل اليمنية التي شاركت في الفتح، من بينها لخم وجذام وبلي والصدف وتجيب وهمدان وغيرها، مع اختلاف الروايات في أعداد المشاركين ودور كل قبيلة في المراحل المختلفة من الفتح.

وكانت بعض هذه القبائل قد استقرت قبل الإسلام في بلاد الشام ومناطق قريبة من مصر، وهو ما جعل مشاركتها في جيش الفتح امتدادًا لوجود عربي سابق في المنطقة.

وتكشف هذه الحقيقة عن طبيعة الجيوش الإسلامية في ذلك العصر؛ فلم تكن مجرد وحدات عسكرية منفصلة عن البنية القبلية للمجتمع العربي، وإنما كانت القبائل تشارك برجالها وفرسانها، مع بقاء الولاءات والروابط القبلية حاضرة داخل المجتمع الجديد.

 من العريش إلى حصن بابليون

تحرك عمرو بن العاص بجيشه باتجاه مصر، ودخل العريش، ثم واصل تقدمه حتى وصل إلى منطقة حصن بابليون، الذي كان من أقوى المواقع العسكرية البيزنطية في مصر.

وهناك واجه المسلمون مقاومة شديدة، وطال الحصار، فطلب عمرو بن العاص المدد من الخليفة عمر بن الخطاب، فأرسل إليه تعزيزات، وانضم إلى الجيش القادم عدد من القبائل العربية التي كان لها وجود في بلاد الشام.

وتذكر كتب الفتوح أخبارًا عن مشاركة رجال من لخم وغيرها في القتال حول حصن بابليون وعين شمس، إلا أن تفاصيل بعض هذه الوقائع تختلف من مصدر تاريخي إلى آخر، ولذلك فإن الأدق هو القول إن القبائل اليمنية كانت جزءًا مهمًا من القوة العربية المشاركة في الفتح، وليس أنها كانت وحدها صاحبة الدور العسكري فيه.

قبائل يمنية شاركت في فتح مصر

من أبرز القبائل التي ترد أسماؤها في سياق الفتح الإسلامي لمصر قبيلة الصدف، وهي قبيلة ارتبطت بحضرموت، وشارك رجال منها في العمليات العسكرية خلال الفتح.

كما تذكر المصادر قبائل تجيب والمعافر وخولان وغيرها من القبائل ذات النسب القحطاني، وقد أصبح لهذه الجماعات حضور واضح في مصر بعد الفتح، خصوصًا مع استقرار العرب في المدن الجديدة التي نشأت حول مراكز الحكم والجند.

ولم يكن الاستقرار مجرد نتيجة عسكرية للفتح، وإنما تحول مع الوقت إلى عملية اجتماعية واسعة، انتقلت فيها القبائل من حياة الجند إلى حياة المدن والزراعة والتجارة والإدارة، وأصبحت مصر موطنًا لأجيال متعاقبة من الأسر والقبائل العربية.

 الفسطاط.. المدينة التي ولدت من رحم الفتح

بعد فتح مصر، أصبحت الحاجة ملحة إلى إنشاء مركز دائم للحكم والإدارة والجيش، فاختار عمرو بن العاص منطقة قريبة من حصن بابليون لتكون مقرًا للمسلمين.

وهكذا نشأت الفسطاط، التي أصبحت أول مدينة إسلامية كبرى في مصر ومركز الإدارة العربية الجديدة.

وتروي المصادر أن عمرو بن العاص كان قد فكر في الإقامة بالإسكندرية بعد فتحها، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه، فجاءه توجيه الخليفة بألا يجعل الماء حاجزًا بينه وبين المسلمين، فاختار العودة إلى موضع الفسطاط.

وهناك أقيم المسجد الذي عرف لاحقًا باسم جامع عمرو بن العاص، ثم بدأت المناطق السكنية في التوسع حوله، واختطت القبائل العربية مساكنها وأحيائها.

 هل اختط اليمنيون الفسطاط وحدهم؟

هذه واحدة من النقاط التي تحتاج إلى قدر كبير من الحذر عند تناولها تاريخيًا.

فبعض المصادر المتأخرة تذكر أسماء شيوخ من القبائل اليمنية شاركوا في تنظيم مواضع القبائل داخل الفسطاط، بينما تنسب روايات أخرى عملية التخطيط إلى مجموعة أوسع من الصحابة وقادة الفتح، كما تذكر بعض الروايات دور أهل مصر في معرفة طبيعة الأرض والعمران.

ولذلك لا يصح اختزال تأسيس الفسطاط في قبيلة واحدة أو القول إن اليمنيين وحدهم هم الذين خططوا المدينة.

والأدق تاريخيًا أن الفسطاط نشأت بوصفها مدينة للجيش والإدارة، ثم توسعت تدريجيًا مع استقرار القبائل والجماعات المختلفة فيها، وكان للعرب اليمنيين حضور مهم داخل هذا النسيج السكاني الجديد.

 من الجندية إلى الاستقرار

كان استقرار القبائل العربية في مصر من أهم النتائج بعيدة المدى للفتح الإسلامي.

فبعد انتهاء العمليات العسكرية، لم يعد الجنود جميعًا إلى الجزيرة العربية، وإنما استقر كثير منهم في مصر، وأصبح لهم ولأبنائهم دور في الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

ومع مرور الزمن أصبحت الفسطاط مركزًا تلتقي فيه قبائل عربية مختلفة، من القحطانيين والعدنانيين وغيرهم، وتحولت الروابط العسكرية الأولى إلى أنساب وأسر وبيوتات عرفت بها مصر في العصور الإسلامية المتعاقبة.

ولذلك فإن الحديث عن القبائل اليمنية في مصر لا ينبغي أن يقتصر على مشاركتها في المعارك، وإنما يجب أن يشمل أيضًا دورها في تكوين المجتمع العربي الذي نشأ بعد الفتح.

 هل كان العرب موجودين في مصر قبل الفتح الإسلامي؟

نعم، وهذه نقطة مهمة لفهم التاريخ المصري، فوجود جماعات عربية في مصر لم يبدأ سنة 20 هـ، وإنما عرف وادي النيل اتصالات وهجرات عربية قبل الإسلام، كما عرفت مناطق الحدود الشرقية لمصر حضورًا لقبائل عربية بحكم موقعها بين الجزيرة العربية والشام ومصر.

لكن هذا الوجود السابق لا يعني أن مصر كانت ذات أغلبية عربية قبل الفتح، ولا يصح القول إن الهجرات اليمنية وحدها هي التي «عربت» مصر قبل دخول المسلمين.

فالتعريب الواسع لمصر كان عملية طويلة بدأت بعد الفتح الإسلامي واستمرت قرونًا، وتداخل فيها العامل السياسي والديني والإداري والاجتماعي والهجرة والاستقرار والزواج واستخدام اللغة العربية في الإدارة والحياة العامة.

 الحقيقة الأهم في قصة اليمنيين ومصر

تكشف قصة القبائل اليمنية في مصر عن حقيقة تاريخية مهمة: فتح مصر لم يكن حدثًا عسكريًا انتهى بمجرد سقوط المواقع البيزنطية، وإنما كان بداية مرحلة طويلة من التحول السكاني والاجتماعي والسياسي.

وكانت القبائل العربية، ومن بينها القبائل ذات الأصول اليمنية، جزءًا من هذا التحول؛ فقد شارك رجالها في الجيوش، واستقر كثير منهم في مصر، ودخلوا في الحياة الاقتصادية والإدارية والعسكرية، وأسهموا في تكوين المجتمع العربي الإسلامي الجديد.

ومن العريش إلى بابليون، ومن المعسكرات إلى الفسطاط، تحولت حركة الجند إلى استقرار دائم، وتحولت القبائل القادمة مع الفتح إلى أسر وبيوتات تركت أثرًا في تاريخ مصر لقرون طويلة.

وهكذا فإن الفسطاط لم تكن مجرد مدينة أنشأها عمرو بن العاص بعد فتح مصر، وإنما كانت نقطة البداية لمرحلة جديدة في تاريخ البلاد، التقت فيها مصر القديمة بالمجتمع العربي الإسلامي الناشئ، وأسهمت القبائل العربية المختلفة، ومنها القبائل اليمنية، في تشكيل ملامح تلك المرحلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى