مقالات

علاء عبدالله يكتب: القرآن يؤسس لمنهج إنساني قوامه التسامح واحترام حرية الإنسان

يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “حرية الاعتقاد والرحمة” رؤية فكرية تستند إلى آيات القرآن الكريم لتأكيد أن حرية العقيدة حق أصيل للإنسان، وأن الرحمة تمثل جوهر الرسالة الإلهية وأساس التعامل بين البشر بعيدًا عن الإكراه والتشدد وفرض المعتقدات بالقوة.

وينطلق الشرفاء من قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، موضحًا أن الإيمان يقوم على الاختيار والاقتناع، وليس على الإجبار أو التهديد، وأن الله سبحانه وتعالى ترك للإنسان حرية اختيار عقيدته، ولم يجعل لأحد سلطة إكراه الآخرين على اعتناق دين أو أداء شعائره.

ويستند المقال إلى مجموعة من الآيات القرآنية التي تؤكد هذا المعنى، وفي مقدمتها قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ليؤكد أن الهداية لا تتحقق بالقوة، وأن مسؤولية الإنسان تجاه معتقده تقوم على حرية الاختيار، بينما يظل الحساب والجزاء من اختصاص الله وحده.

وتكشف هذه الرؤية عن أهمية التمييز بين الدعوة إلى الإيمان وفرضه على الآخرين؛ فالدعوة الحقيقية تقوم على البيان والحكمة والاقتناع ولا تتفق مع العنف أو مصادرة حق الإنسان في التفكير والاختيار، ومن ثم فإن احترام حرية الاعتقاد يمثل أساسًا للتعايش بين أصحاب الديانات والمذاهب المختلفة.

وينتقل المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الجانب الآخر من رؤيته، وهو ارتباط الرسالة الإسلامية بالرحمة مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ليبرز أن الرحمة ليست مجرد قيمة أخلاقية عابرة بل مبدأ أساسي ينبغي أن ينعكس على سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين.

كما يستحضر المقال آيات قرآنية توضح أثر الرحمة في التعامل الإنساني، ومنها قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وهي آية تحمل دلالة واضحة على أن اللين والعفو وحسن المعاملة من أهم أسباب تقارب القلوب واستمرار العلاقات الإنسانية.

وتتجلى أهمية المقال في الجمع بين حرية الاعتقاد والرحمة باعتبارهما قيمتين متكاملتين؛ فاحترام حرية الآخرين يبدأ من الاعتراف بحقهم في الاختيار، والرحمة تظهر في كيفية التعامل معهم مهما اختلفت معتقداتهم أو أفكارهم، فلا يمكن بناء مجتمع متسامح في ظل الإكراه أو التعصب أو الانتقاص من حقوق الآخرين.

ومن هذا المنطلق، يفتح الشرفاء بابًا للتفكير في ضرورة مراجعة السلوكيات التي تتعارض مع المبادئ القرآنية، خاصة تلك التي تستبدل الحوار بالعنف، والرفق بالقسوة والتسامح بالتشدد، مؤكدًا أن الالتزام الحقيقي بالقيم الدينية يجب أن يظهر في معاملة الإنسان لأخيه الإنسان.

ولا يكتفي المقال بتقديم الرحمة باعتبارها مفهومًا دينيًا، بل يوضح معناها العملي في حياة الناس؛ فهي مساعدة المحتاج، الوقوف بجانب المريض، الرفق بالضعيف، إغاثة الملهوف، وتقديم العون للفقير، والتعامل مع الآخرين بالمودة واللطف.

وهنا تتضح الرسالة الإنسانية التي يسعى المقال إلى ترسيخها، وهي أن الأخلاق لا تقاس بالكلمات أو الشعارات، وإنما بما يقدمه الإنسان من خير للآخرين، وبقدرته على تخفيف آلامهم ومساندتهم في أوقات الشدة دون تمييز بين قريب وغريب.

وفي المحصلة، يقدم المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي دعوة إلى استعادة القيم القرآنية التي تجعل حرية الاعتقاد حقًا، والرحمة منهجًا، والتسامح أساسًا للعلاقات الإنسانية، وهي رؤية تتجاوز حدود التنظير الديني لتلامس واقع المجتمعات وما تحتاج إليه من احترام متبادل وتعاون وتراحم.

وتبقى الرسالة الأبرز في المقال أن الإيمان لا يفرض بالقوة، وأن الرحمة لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى سلوك ملموس في حياة الإنسان؛ فاحترام حرية الآخرين والإحسان إليهم مهما اختلفت معتقداتهم يمثلان طريقًا لبناء مجتمع أكثر أمنًا وتسامحًا وإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى