تقارير

مازن بن غضوبة.. قصة الصحابي الذي حمل راية الإسلام إلى عمان

مازن بن غضوبة، قبل انتشار الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، كانت عبادة الأصنام منتشرة بين عدد من القبائل، وكانت الخمر ومجالس اللهو من مظاهر الحياة التي عرفها بعض العرب في الجاهلية، وفي عمان أيضًا كانت عبادة الأصنام موجودة، قبل أن يصل نور الإسلام إليها.

ومن بين أبناء عمان الذين ارتبطت أسماؤهم ببدايات الإسلام في المنطقة، الصحابي مازن بن غضوبة الطائي، الذي تذكر مصادر تاريخية أنه كان سادنًا لأحد الأصنام في سمائل، ثم أسلم بعد لقائه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعاد إلى بلاده داعيًا إلى الدين الجديد.

من هو مازن بن غضوبة؟

هو مازن بن غضوبة بن سبيعة بن حيان، وتذكر بعض المصادر اختلافًا في تفاصيل نسبه، إلا أن نسبه ينتهي إلى قبيلة طيء، ولذلك اشتهر باسم مازن الطائي أو مازن بن غضوبة الطائي.

ولم تحدد المصادر التاريخية سنة ميلاده، بينما ذكرت أن والدته كانت زينب بنت عبدالله بن ربيعة بن خويص، وأن له ابنًا يدعى حيان، وتشير روايات تاريخية إلى أن مازن كان من الشخصيات ذات المكانة في قومه، إذ كان سادنًا لصنم عرف باسم ناجر أو باجر في منطقة سمائل، وكان من الأصنام التي تعظمها قبيلتا بني خطامة وبني الصامت من طيء.

حياة مازن قبل الإسلام

نشأ مازن في سمائل، وهي من المناطق العمانية القديمة التي ارتبط اسمها بالعلم والأدب والشعر، وكانت تقع على طريق مهم يصل إلى وسط عمان، وتذكر الروايات أن منطقة الدقدقين في سمائل كانت من الأماكن التي عاش فيها مازن، وأن عبادة الأصنام كانت موجودة بها قبل الإسلام.

وبحسب ما ورد في بعض المصادر، كان مازن في الجاهلية مولعًا بشرب الخمر واللهو والطرب، كما كان يرتاد مجالس اللهو، وهي حياة تغيرت بصورة كبيرة بعد إسلامه، وكانت مكانته بوصفه سادنًا للصنم تمنحه مكانة بين قومه، قبل أن يتحول من خدمة الصنم إلى الدعوة إلى الإسلام.

كيف وصل مازن إلى الإسلام؟

ترتبط قصة إسلام مازن بن غضوبة برواية يذكرها البيهقي والطبراني وغيرهما، وتقول إن مازن سمع صوتًا من الصنم الذي كان يخدمه أثناء تقديم الذبائح، يدعوه إلى الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وترك عبادة الأصنام

وتتضمن الرواية أبياتًا منسوبة إلى الصنم تقول:

«يا مازن اسمع تسر
ظهر خير وبطن شر
بعث نبي من مضر
بدين الله الأكبر
فدع نحيتًا من حجر
تسلم من حر سقر»

وتذكر الرواية أن الأمر تكرر مرة أخرى، ثم وصل إلى مازن رجل من الحجاز وأخبره بظهور رجل يدعى أحمد يدعو الناس إلى دين الله، وبعد سماع الخبر، قرر مازن التوجه إلى المدينة للقاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكسر الصنم الذي كان يسدن عليه، وترك ما كان عليه من عبادة الأصنام.

وأنشد بعد ذلك أبياتًا عبر فيها عن تحوله من الشرك إلى الإسلام، ومن بينها:

«كسرت باجر أجذاذًا وكان لنا
ربًا نطيف به عميًا لضلال
بالهاشمي هدينا من ضلالتنا
ولم يكن دينه مني على بال»

لقاء مازن بالنبي

وصل مازن إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وشرح له حاله قبل الإسلام، وذكر له ما كان عليه من شرب الخمر واللهو والنساء، كما طلب منه أن يدعو الله له بالذرية، وتروي المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بأن يستبدل حياته السابقة بالطاعة والقرآن والعفة، وأن يرزقه الله ولدًا.

ويقول مازن في الرواية المنقولة عنه إن الله أذهب عنه ما كان يجد، وأتاه بالحياء، وتعلم شطر القرآن، وأخصبت عمان، وتزوج، ورزقه الله بابنه حيان.

كما نظم أبياتًا شعرية يعبر فيها عن التحول الكبير الذي طرأ على حياته، ومنها:

«إليك رسول الله خبت مطيتي
تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
فبدلني بالخمر خوفًا وخشية
وبالعهر إحصانًا فأحصن لي فرجي
فأصبحت همي في الجهاد ونيتي
فلله ما صومي ولله ما حجي»

وتذكر إحدى الروايات أن مازن كان يصطحب معه غلامًا يدعى صالح بن المتوكل، فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم مازنًا به، فاعتقه بعد ذلك إكرامًا لوصية الرسول.

رواية دعاء النبي لأهل عمان

وتوجد رواية أخرى نقلها عدد من المؤرخين العمانيين، من بينهم العوتبي والسالمي، تفيد بأن مازن طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأهل عمان، وبحسب هذه الرواية، دعا النبي لأهل عمان بالهداية والثبات والعفاف والكفاف والرضا، كما دعا لهم بالخير في معيشتهم وبألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية وردت في بعض المصادر العمانية، ولم ترد بالصورة نفسها في جميع المصادر التي تناولت سيرة مازن بن غضوبة.

عودة مازن إلى عمان

بعد إسلامه عاد مازن إلى قومه في عمان، حاملاً تعاليم الإسلام، لكنه واجه في البداية رفضًا من بعض قومه، بل تذكر الروايات أنهم عاتبوه وشتموه، واستعانوا بشاعر لهجائه.

غير أن مازن اختار عدم الرد عليهم بالأسلوب نفسه، وابتعد عن قومه فترة، وبنى مسجدًا اتخذه مكانًا للعبادة وتعليم الناس.

وتنسب المصادر العمانية إلى مازن بناء مسجد في سمائل، وتذكر بعض الروايات أنه عرف باسم مسجد المضمار، وأن بناءه يرجع إلى عام 6 هـ، بينما تختلف الروايات التاريخية في بعض تفاصيل المسجد وتاريخه.

وبمرور الوقت، عاد قومه إليه، ووفقًا للرواية التي نقلها البيهقي، ندموا على موقفهم السابق، وطلبوا منه العودة لإدارة شؤونهم، ثم أسلموا بعد ذلك.

هل كان مازن أول من أسلم في عمان؟

تذكر بعض المصادر العمانية، ومن بينها الأزكوي، أن مازن بن غضوبة كان أول من أسلم من أهل عمان، ولذلك ارتبط اسمه ببدايات الدعوة الإسلامية في البلاد.

لكن توجد روايات أخرى تذكر الصحابي ضماد بن ثعلبة الأزدي بوصفه من أوائل من أسلموا من أهل عمان، وهو ما ناقشه عدد من الباحثين، موضحين أن ضمادًا لم يكن من سكان عمان، وإنما كان من أزد شنوءة الذين سكنوا سراة الحجاز وعسير.

ولهذا تذهب بعض الدراسات إلى اعتبار مازن بن غضوبة أول من أسلم من أهل عمان، مع ضرورة التفريق بين إسلام فرد من أهل البلاد وبين دخول المجتمع العماني في الإسلام بصورة أوسع.

أما انتشار الإسلام في عمان على نطاق أوسع، فترتبط رواياته بمرحلة حكم عبد وجيفر ابني الجلندي، عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى عمان، في السنة الثامنة للهجرة، لدعوة الحاكمين وأهل البلاد إلى الإسلام.

مسجد مازن في سمائل

ارتبط اسم مازن بن غضوبة كذلك بأحد المساجد القديمة في سمائل، وتذكر المصادر العمانية أنه كان من أوائل المساجد التي بنيت في عمان، وأنه تحول إلى رمز لبدايات الدعوة الإسلامية في المنطقة.

كما ارتبط المسجد في بعض الروايات بكرامات ومعتقدات شعبية حول الشفاء، وهي روايات تاريخية متداولة ينبغي نسبتها إلى مصادرها دون الجزم بصحتها.

ماذا حدث لمازن في نهاية حياته؟

لا توجد رواية واحدة متفق عليها بشأن وفاة مازن بن غضوبة ومكان دفنه، إذ اختلفت المصادر في ذلك، وينقل ابن حجر العسقلاني رواية تفيد بأن مازن وصالح بن المتوكل قتلا في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما في بردعة التابعة لأذربيجان.

وبناءً على هذه الرواية، ذهب بعض المؤرخين إلى أن وفاة مازن وقعت خلال الفتوحات الإسلامية في تلك المنطقة، وربط بعضهم ذلك بعام 25 هـ الموافق 645م.

في المقابل، تذكر مصادر عمانية أن قبر مازن موجود في منطقة الدقدقين بولاية سمائل، بينما يرى مؤرخون آخرون أن القبر الموجود هناك قد يكون مقامًا أقيم تخليدًا لذكراه، وليس بالضرورة قبره الفعلي.

وهكذا بقيت نهاية حياة مازن بن غضوبة محل اختلاف بين المصادر، بينما ظل اسمه حاضرًا في التاريخ العماني باعتباره أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالبدايات الأولى للإسلام في عمان، والرجل الذي انتقل من خدمة أحد الأصنام إلى الدعوة إلى الإسلام بين قومه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى