مقالات

علاء عبدالله يكتب: علي الشرفاء الحمادي يضع ملامح هوية الدولة المصرية.. المواطنة والوحدة الوطنية طريق بناء المستقبل

في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحديات سياسية وفكرية وأمنية، تبرز أهمية الحفاظ على هوية الدول وتماسك مجتمعاتها باعتبارهما الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية. ومن هذا المنطلق، يقدم المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية تتجاوز الجدل حول تصنيف الدولة إلى مدنية أو علمانية أو دينية، لتضع مفهوم المواطنة والانتماء الوطني في مقدمة الأولويات، وتؤكد أن مصر بتاريخها وحضارتها ومكانتها العربية تمثل قلب الأمة النابض، وأن قوتها الحقيقية تبدأ من وحدة شعبها وتماسك جبهتها الداخلية.

وينطلق الشرفاء الحمادي في مقاله من المكانة الاستراتيجية والتاريخية التي تحتلها مصر باعتبارها دولة محورية في محيطها العربي والإقليمي والدولي، مستندة إلى رصيد حضاري وثقافي ممتد وقدرات تؤهلها للقيام بدور مؤثر في الدفاع عن القضايا العربية ودعم تطلعات الشعوب نحو الحرية والكرامة والتنمية.

ولا تتوقف أهمية مصر عند حدود موقعها الجغرافي أو ثقلها السياسي، بل تمتد إلى ما يمكن أن تقدمه للأمة العربية من فرص للتكامل الاقتصادي، وتبادل الخبرات العلمية والتكنولوجية، وتوظيف الثروات والإمكانات المشتركة لتحقيق التنمية المستدامة، ومن هنا، فإن الحفاظ على قوة الدولة المصرية لا يمثل شأنًا داخليًا فحسب وإنما يرتبط بمصالح المنطقة العربية واستقرارها.

ويحذر المفكر العربي من خطورة محاولات إثارة الانقسامات داخل المجتمع المصري، سواء من خلال الصراعات الحزبية أو الطائفية أو الخطابات الإعلامية التي تغذي الكراهية وتعيد إنتاج الخلافات بين أبناء الوطن الواحد.

وتكشف هذه الرؤية عن إدراك لطبيعة التحديات التي تواجه الدول، فالأزمات الداخلية قد تتحول إلى ثغرات تستغلها الأطراف المعادية لإضعاف مؤسسات الدولة والنيل من استقرارها، ولذلك فإن حماية الجبهة الداخلية تتطلب وعيًا مجتمعيًا يرفض التحريض والتعصب، ويقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.

كما يلفت المقال الانتباه إلى مسؤولية وسائل الإعلام في تشكيل الوعي العام، محذرًا من تحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات الشخصية أو نشر الأفكار المتشددة، بدلًا من أداء دورها في تعزيز ثقافة الحوار والتسامح واحترام الاختلاف.

ومن أبرز الأفكار التي يطرحها الشرفاء الحمادي التمييز بين مفهوم الهوية الوطنية ومفهوم العقيدة الدينية، مؤكدًا أن هوية الدولة المصرية تستمد معناها من الوطن وتاريخه وحضارته وثقافته وإنجازات شعبه، بينما تظل العقيدة شأنًا يرتبط بإيمان كل إنسان واختياره.

ويضع هذا الطرح المواطنة في مكانتها الطبيعية باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الدولة وأفراد المجتمع، فلا ينبغي أن تتحدد الحقوق والواجبات وفق الانتماءات الدينية أو الاختلافات الفكرية، وإنما وفق مبدأ المساواة أمام القانون.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المجتمعات المتنوعة، إذ إن احترام حرية الاعتقاد وحماية حقوق المواطنين يساهمان في بناء دولة يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء فيها، وأن انتماءهم إلى الوطن يمنحهم الحقوق نفسها ويلزمهم بالواجبات ذاتها.

وفي هذا السياق، يستشهد الكاتب بالقرآن الكريم، وتحديدًا الآية 48 من سورة المائدة التي تؤكد تعدد الشرائع والمناهج، وتدعو إلى استباق الخيرات، في إشارة إلى أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للصراع والعداء بين البشر.

ويتناول المقال تجربة حكم جماعة الإخوان في مصر، وما يراه الكاتب من آثار سلبية ترتبت على تلك المرحلة سواء على مستوى الاقتصاد أو الأمن أو تماسك المجتمع، مشيرًا إلى أن تعطيل التنمية وتراجع بعض القطاعات وتصاعد أعمال العنف تمثل مخاطر لا يجوز الاستهانة بها.

ويربط الشرفاء الحمادي بين تجاوز الأزمات السياسية والحفاظ على استقرار الدولة، مؤكدًا ضرورة عدم السماح بتكرار الظروف التي تهدد الوحدة الوطنية أو تعطل مسيرة البناء، مع أهمية التمييز بين المحاسبة القانونية والمواقف القائمة على الانتقام أو الإقصاء.

ومن هنا، يدعو إلى اعتماد العدالة والرحمة والتسامح قواعد للتعامل بين المواطنين مع تطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في الإضرار بمصالح الشعب أو تهديد أمنه، بما يضمن حماية المجتمع دون التخلي عن مبادئ العدل وسيادة القانون.

ولا يكتفي المقال بالتأكيد على أهمية الوحدة الوطنية، بل ينتقل إلى طرح رؤية عملية لبناء المستقبل، من خلال الدعوة إلى تشكيل مجلس للتخطيط الاستراتيجي يتولى إعداد خطط متكاملة في المجالات الاقتصادية والتعليمية والأمنية والاجتماعية.

وفي المجال الاقتصادي، يركز الكاتب على إعداد خطة خمسية تستهدف الاستفادة من الإمكانات الوطنية وتطوير القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها البترول والبتروكيماويات والصناعة والزراعة والقطاع المصرفي، مع إعطاء اهتمام خاص لزيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من القمح.

وتعكس هذه المقترحات أهمية الانتقال من إدارة الأزمات بصورة مؤقتة إلى التخطيط طويل المدى، الذي يحدد الأولويات ويربط الموارد المتاحة بأهداف قابلة للتنفيذ، بما ينعكس على مستوى معيشة المواطنين وقدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية.

ويمنح الشرفاء الحمادي التعليم مكانة أساسية في مشروع النهوض بالدولة، باعتباره المدخل الحقيقي لإعداد أجيال قادرة على مواكبة التطور والمشاركة في الإنتاج. فالمناهج التعليمية، وفق رؤيته، ينبغي أن ترتبط باحتياجات المجتمع وأهداف التنمية، وأن تسهم في إعداد الإنسان القادر على العمل والابتكار وتحقيق حياة كريمة.

ويمتد هذا التصور إلى تطوير منظومة التدريب المهني والصناعي والزراعي، ورفع كفاءة العمالة المصرية بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل المحلي والعربي والدولي، مع التوسع في إنشاء المعاهد المتخصصة التي توفر المهارات اللازمة للقطاعات الإنتاجية.

أما الاستثمار، فيطرحه المقال باعتباره وسيلة مهمة لاستغلال الثروات الطبيعية وتوسيع قاعدة الإنتاج، من خلال تأسيس مشروعات استراتيجية تشارك فيها الشركات الحكومية والبنوك والمستثمرون المصريون والعرب والأوروبيون، بما يوفر فرص عمل واسعة ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو.

وتكشف هذه المحاور عن رؤية تعتبر الإنسان والتعليم والإنتاج عناصر مترابطة، فلا يمكن تحقيق نهضة اقتصادية مستدامة دون عمالة مؤهلة، أو منظومة تعليمية تستجيب لمتطلبات العصر، أو بيئة استثمارية قادرة على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة.

ويتناول الكاتب دور القوات المسلحة في حماية الدولة وصيانة أمنها القومي، مؤكدًا أهمية تطوير قدراتها الدفاعية وتحديث منظومة التسليح والاعتزاز بتضحياتها في سبيل حماية الحدود والحفاظ على استقرار الوطن، كما يستحضر أحداث 30 يونيو 2013 باعتبارها محطة مهمة في تاريخ مصر الحديث، ويرى فيها تعبيرًا عن إرادة الشعب في الحفاظ على دولته وتحديد مستقبلها مع التأكيد على أهمية العلاقة بين الشعب ومؤسساته الوطنية وعدم السماح بمحاولات الوقيعة بينهما.

وفي السياق ذاته، يبرز المقال الدور الذي تقوم به وزارة الداخلية والشرطة في حماية المواطنين والتصدي للجريمة والإرهاب، مشددًا على ضرورة توفير الإمكانات والتقنيات الحديثة التي تساعد الأجهزة الأمنية على أداء مهامها.

ويختزل الكاتب هذه الرؤية في تكامل العلاقة بين الشعب والقوات المسلحة والشرطة باعتبارها عناصر رئيسية في حماية أمن الدولة واستقرارها، وهو ما يتطلب وعيًا مجتمعيًا يحافظ على الثقة المتبادلة ويقدر المسؤوليات والتضحيات.

في مجمل أطروحته، يقدم المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي تصورًا متكاملًا للدولة التي يريدها لمصر؛ دولة تستند إلى هويتها الوطنية، تحترم حرية الاعتقاد، تحقق المساواة بين مواطنيها، تحمي وحدتها الداخلية، وتضع التنمية الاقتصادية والتعليمية في مقدمة أولوياتها.

وتبرز أهمية هذا الطرح في جمعه بين البعد الفكري والبعد العملي؛ فهو لا يكتفي بالدعوة إلى رفض الطائفية والانقسام، وإنما يربط الاستقرار بمشروع تنموي واضح يقوم على التخطيط والاستثمار وتطوير التعليم ورفع كفاءة العمالة وحماية الأمن القومي.

وتبقى الرسالة الأهم التي يحملها المقال أن مصر لا يمكن أن تحقق تطلعاتها اعتمادًا على تاريخها ومكانتها وحدهما، وإنما تحتاج إلى وحدة أبنائها وتكامل جهود مؤسساتها وإعلاء قيمة المواطنة والعدالة والعمل، حتى تواصل دورها الحضاري والعربي وتبني مستقبلًا يليق بتاريخها وإمكانات شعبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى