القبائل والعائلات العربية

النسابة المحقق المؤرخ مصطفي بن سالم العقيلي يكتب: نسب قبيلة هوارة (الجزء الخامس)

قال النسابة المحقق المؤرخ مصطفى بن سالم العقيلي إن قبيلة هوارة من القبائل المصرية المنتشرة في البحيرة والصعيد، وخلال فترة حكم أميرها وشيخها وأسطورة الصعيد الأمير همام، أسست شبه دولة أقامت خلالها الدواوين لإدارة الأراضي الواقعة تحت سيطرتها ورعاية العاملين بها، كما شكلت قوة عسكرية من أبناء هوارة والمماليك الفارين من حكم علي بك الكبير. وفي تلك الفترة اندلع الصراع بين دولة في الجنوب بقيادة همام بن يوسف الهواري، ودولة في الشمال يقودها علي بك الكبير، الذي كان حليفًا للروس وتعهد لهم بدخول مصر على جثة همام، فحصل منهم على أحدث الأسلحة في ذلك الوقت. وكان همام، كما وصفه الجبرتي، “شرف الدولة، همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيح بن سيبيه الهواري، عظيم بلاد الصعيد”.

شيخ العرب همام

نسب شيخ العرب همام

(في ذكر شيخ العرب همام): وهو الأمير همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيح بن سيبيه الهواري.

مكانة همام وكرمه

قال مصطفى بن سالم العقيلي عن الجبرتي في كتابه “عجائب الآثار”: “ومن كان خيره وبره يعم القريب والبعيد، وقد جمع فيه من الكمال، ما ليس فيه لغيره مثال، تنزل بحرم سعادته قوافل الأسفار، وتلقى عنده عصى التسيار، وأخباره غنية عن البيان، مسطرة في صحف الإمكان”.

ومن أخبار كرمه أنه إذا نزل بساحته الوفود والضيفان، تلقاهم الخدم وأنزلوهم في أماكن معدة لأمثالهم، وأحضروا لهم الاحتياجات واللوازم من السكر، وشمع العسل، والأواني وغير ذلك، ثم رتّبوا الأطعمة للغداء والعشاء والفطور في الصباح، والمربيات والحلوى طوال مدة إقامتهم، لمن يعرف ومن لا يعرف. فإن أقاموا على ذلك شهورا، لا يختل نظامهم ولا ينقص راتبهم، حتى يقضوا أشغالهم على أتم مرادهم، ويزيدهم إكراما وينصرفوا شاكرين.

وإن كان الوافد ممن يرتجى البر والإحسان، أكرمه وأعطاه، وبلغه أضعاف ما يترجاه، ومن الناس من كان يذهب إليه في كل سنة ويرجع بكفاية عامه. وهذا شأنه مع كل من كان من الناس، أما إذا كان الوافد من أهل الفضائل أو ذوي البيوت، قابله بمزيد من الاحترام وحياه بجزيل الإنعام، وكان ينعم بالجواري والعبيد، والسكر والغلال، والتمر والسمن والعسل.

وإذا ورد عليه إنسان ورآه مرة، ثم غاب عنه سنين وعاد، نظر إليه وخاطبه فعرفه وتذكره، ولا ينساه. وكان حاله فيما ذكر من الضيفان والوافدين والمسترفدين أمرا مستمرا على الدوام، لا ينقطع أبدا.

وكان الفراشون والخدم يهيئون أمر الفطور من طلوع الفجر، فلا يفرغون من ذلك إلا ضحوة النهار، ثم يشرعون في أمر الغداء من الضحوة الكبرى إلى قريب العصر، ثم يبتدئون في أمر العشاء، فلا يفرغون من ذلك إلا بعد العشاء، وهكذا.

وكان عنده من الجواري والسراري والمماليك والعبيد شيء كثير، ويطلب في كل سنة دفتر الأرقاء، ويسأل عن مقدار من مات منهم، فإن وجده خمسمائة أو أربعمائة، استبشر وانشرح، وإن وجده ثلاثمائة أو أقل أو نحو ذلك، اغتم وانقبض خاطره، ورأى أن ربما كانت في أعظم من ذلك.

وكان له برسم زراعة قصب السكر وشركه فقط اثنا عشر ألف ثور، وهذا بخلاف المعد للحرث ودراس الغلال والسواقي والطواحين والجواميس والأبقار الحلابة وغير ذلك.

وأما شون الغلال وحواصل السكر والتمر بأنواعه والعجوة، فشيء لا يعد ولا يحد، وكان الإنسان الغريب إذا رأى شون الغلال من البعد، ظنها مزارع مرتفعة لطول مكث الغلال وكثرتها، فينزل عليها ماء المطر ويختلط بالتراب، فتنبت وتصير خضراء كأنها مزرعة.

وكان عنده من الأجناد والقواسة، وأكثرهم من بقايا القاسمية، انضموا إليه وانتسبوا له، وهم عدة وافرة، وتزوجوا وتوالدوا، وتخلفوا بأخلاق تلك البلاد ولغاتهم.

وله دواوين وعدة كتبة من الأقباط والمستوفين والمحاسبين، لا يبطل شغلهم ولا حسابهم ولا كتابتهم ليلا ونهارا، ويجلس معهم حصة من الليل إلى الثلث الأخير بمجلسه الداخل، يحاسب ويملي ويأمر بكتابة مراسيم ومكاتبات، لا يعزب عن فكره شيء قل أو جل.

ثم يدخل إلى الحريم فينام حصة لطيفة، ثم يقوم إلى الصلاة. وإذا جلس مجلسا عاما، وضع بجانبه فنجانا فيه قطنة وماء ورد، فإذا قرب منه بعض الأجلاف وتحادثوا معه وانصرفوا، مسح بتلك القطنة عينيه وشمها بأنفه، حذرا من رائحتهم وصنانهم.

وكان صلات وإغداقات وغلال يرسلها للعلماء وأرباب المظاهر بمصر في كل سنة، وكان ظلا ظليلا بأرض مصر.

ولما ارتحل لزيارته شيخنا السيد محمد مرتضى، وعرف فضله، أكرمه إكراما كثيرا، وأنعم عليه بغلال وسكر وجوار وعبيد، وكذلك كان فعله مع أمثاله من أهل العلم والمزايا.

ولم يزل هذا شأنه حتى ظهر أمر علي بيك، وحصل ما تقدم شرحه من وقائعه مع خشداشينه، وذهابه إلى الصعيد، وصلحه مع صالح بيك، وانضمامه إليه. وكان المترجم صديقا لصالح بيك وعشيرته، فأمدهما بالمال والرجال، مراعاة لسعي صالح بيك، حتى تم لهما الأمر وغدر علي بيك بصالح بيك، وخرجت رجاله وأتباعه إلى الصعيد، وأعلموه بما أوقعه بهم علي بيك.

نهاية حكم شيخ العرب همام

فاغتم على فقد صالح بيك غما شديداً، وحمله ذلك على أن أشار عليهم بالذهاب إلى أسيوط وتملكها، فإنها باب الصعيد. فذهبوا إليها مع جملة المنافي من مصر والمطرودين كما تقدم، وأمدهم شيخ العرب المترجم، حتى ملكوها وأخرجوا من كان بها، واستوحش منه على بيك بسبب ذلك، وتابع إرسال التجاريد.

وقدّر الله بخذلان القبالي ورجوعهم إلى قبلي على تلك الصورة، فعند ذلك علم همام أنه لم يبق مطلوبا لهم سواه، وخصوصا مع ما وقع من فشل كبار الهوارة وأقاربه، ونفاقهم عليه، فلم يسعه إلا الارتحال من فرشوط وتركها بما فيها من الخيرات، وذهب إلى جهة إسنا، فمات في ثامن شعبان من السنة، ودفن في بلدة تسمى قمولة، فقضي عليه بها، رحمه الله.

وخلف من الأولاد الذكور ثلاثة وهم: درويش، وشاهين، وعبد الكريم. ولما مات انكسرت نفوس الأمراء، ثم إن أكابر الهوارة قدموا ابنه درويشا لكونه أكبر إخوته، وأشاروا عليه بمقابلة محمد بيك، ففعل.

وأما الأمراء، فمنهم من أخذ أمانا من محمد بيك، وقابله وانضم إليه، ومنهم من ذهب إلى ناحية درنة، ونزل البحر وسافر إلى الشام والروم، ومنهم من انزوى إلى الهوارة بالصعيد.

وحضر درويش صحبة محمد بيك إلى مصر، وقابل علي بيك وأعطاه بلاد فرشوط، ورجع مكرما إلى بلاده، فلم يحسن السير ولم يفلح. وأول ما بدأ في أحكامه أنه صار يقبض على خدام أبيه وأتباعه ويعاقبهم، ويسلب أموالهم.

وقبض على رجل يسمى زعيتر، وكيل البصل المرتب لمطابخ أبيه، فأخذ منه أموالا عظيمة في عدة أيام على مرار، أخذ منه في دفعة من الدفعات من جنس الذهب البندقي أربعين ألفا، وكذلك من يصنع البرد للجوارى السود والعبيد، وذلك خلاف وكلاء الغلال، والأقصاب، والسكر، والسمن، والعسل، والتمر، والشمع، والزيت، والبن، والشركاء في المزارع.

ووصلت أخبار بذلك إلى علي بيك، فعين عليه أحمد كتخدا، وسافر إليه بعدة من الأجناد والمماليك، وطالبه بالأموال حتى قبض منه مقادير عظيمة، ورجع بها إلى مخدومه.

واقتدى به بعد ذلك محمد بيك في أيام إمارته، وأخذ منه جملة، وكذلك أتباعه من بعده، حتى أخرجوا ما في دورهم من المتاع والأواني والنحاس قناطير مقنطرة.

ثم تتبعوا الحفر لأجل استخراج الخبايا، حتى هدموا الدور والمجالس ونبشوها وأخربوها. وحضر درويش المذكور بأخرة إلى مصر جاليا عن وطنه، ولم يزل بها حتى مات كأحاد الناس، واستمر شاهين وعبد الكريم يزرعان بأرض الوقف أسوة المزارعين، ويتعيشان حتى ماتا.

أبناء همام وما جرى لهم

فأما شاهين فقتله مراد بيك فى سنة أربع عشرة ومائتين وألف، أيام الفرنسيس لأمور نقمها عليه، وخلف ولدا يدعى (محمداً)، وأما عبد الكريم، فإنه مات على فراشه قريباً من ذلك التاريخ، وترك ولداً يدعى (هماماً)، دون البلوغ، يوصف بالنجابة حسبما نقل الينا من السفار، وكاتبنى وكاتبته فى بعض المقتضيات، ورأيت ابن عمه محمد المذكور حين أتى إلي مصر، بعد ذهاب الفرنسيس، وتردد عندى مراراً، وسبحان من يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين .

وصف هوارة بين أسوان وجرجا

قال أميدية جوبير: عرب الهوارة بين أسوان وجرجا والعدد المفترض 2000 فارس على الأقل، ويتم اختيار شيخ هذه القبيلة بالانتخاب وهو يقيم فى فرشوط.

انتقال الهوارة من البداوة إلى الزراعة

وذكرهم أيضًا دي بوا – إيميه، وقال إن بعض القبائل التي هدأت طبائعها بفعل السلام الطويل، انتهى بها الأمر إلى ترك الصحراء والانتشار داخل مصر، والانتقال تدريجيًا من حياة البداوة إلى الزراعة، وكان فقدانها لحريتها المطلقة نتيجة ترتبت على هذا التحول.

ويقدم الصعيد مثالًا على ذلك، إذ كانت قبيلة “هوارة”، التي جاءت إلى مصر من المناطق المجاورة لمدينة تونس بعد وقت قصير من هزيمة مصر على يد السلطان سليم، قد استقرت في الصعيد، وأقامت في البداية على مشارف الصحراء، ثم تمكنت بالقوة والمهارة الحربية من الاستيلاء على جزء كبير من مصر العليا، ودعمت وضعها بدفع إتاوة إلى حكومة القاهرة.

ومع تحول “الهوارة” إلى أثرياء من الملاك، فقدوا تدريجيًا عاداتهم الرعوية، فاستُبدلت الخيام بالبيوت، وتحول حبهم الطاغي للحرية إلى حب للوطن.

الصراع مع المماليك

وظل هؤلاء العربان فى رخائهم يبدون أسعد حالاً من قومهم بالصحراء، حتى أعلن عليهم على بك الحرب بعد إن أثارت حفيظته قومهم وطمع هو في ثرواتهم، وكان إن هزمهم فى لقاءات عدة، هكذا لم يعد بامكان هؤلاء العربان بعد إن فقدوا القدرة على احتمال الرمال الحارقة وعلى مكابدة الحرمان التى كانوا يعانون منها فى صحرائهم، ولم يعد بامكانهم إن يفلتوا من سطوة المماليك .

المصدر/ كتاب دليل الأنساب لمعرفة الأعقاب للعقيلي. ص497 الي 509.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى