النسابة المحقق المؤرخ مصطفي بن سالم العقيلي يكتب: نسب قبيلة هوارة (الجزء الرابع)

قال النسابة المحقق المؤرخ مصطفى بن سالم العقيلي إن قبيلة هوارة من القبائل المصرية المنتشرة في البحيرة والصعيد، وخلال فترة حكم أميرها وشيخها وأسطورة الصعيد الأمير همام، أسست شبه دولة أقامت خلالها الدواوين لإدارة الأراضي الواقعة تحت سيطرتها ورعاية العاملين بها، كما شكلت قوة عسكرية من أبناء هوارة والمماليك الفارين من حكم علي بك الكبير. وفي تلك الفترة اندلع الصراع بين دولة في الجنوب بقيادة همام بن يوسف الهواري، ودولة في الشمال يقودها علي بك الكبير، الذي كان حليفًا للروس وتعهد لهم بدخول مصر على جثة همام، فحصل منهم على أحدث الأسلحة في ذلك الوقت. وكان همام، كما وصفه الجبرتي، “شرف الدولة، همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيح بن سيبيه الهواري، عظيم بلاد الصعيد”.
نفوذ هوارة في الصعيد
تراجع العلاقات مع العثمانيين
ولكن ساءت هذه العلاقات بعد ذلك بين الطرفين ونتيجة لذلك فقد عين العثمانيون أحد بكوات المماليك سليمان جنبلاط فى عام 983هجري/ 1576م. وبالرغم من ذلك فقد احتفظوا لانفسهم بمركز اجتماعى متميز على الفلاحين، مع احتفاظهم بعلاقات طيبة معهم، وأصبحت لهم الإمارة على جرجا، وعندما أدخل نظام الالتزام إلي مصر العثمانية فى الربع الأول من القرن السابع عشر، كان الوضع الطبيعى إن سيطروا على التزام الصعيد .
السيطرة على الصعيد
وبالرغم من قوتهم وسيطرتهم على الصعيد، فأن الحكم لم يخلص لهم تماما فتعرضوا لهجمات بدو ليبيا، والقبائل المواجهة لبنى عدى وتعرضوا لهجمات أعدائهم التقليدين من قبيلة (قصاص) التى تقطن بغرب الأقصر (طيبة) القريبة من اسنا.
وكان حكمهم يتسم بالصرامة والتعالى، وفرضوا ضريبة على الأرض وعلى التجارة، وبخاصة فى قنا وفرشوط وجرجا، واستغل أقارب الهوارة ذلك وحكموا بالقوة والقسوة، كما استغل الكتبة القبط ذلك أيضاً، وجمعوا الثروات الهائلة فرضهم الضرائب على الاراضى الزراعية التى كانت شاملة على الفلاحين فى قرية ما يدفعونها لشيخ القرية الذي يقوم بدوره لتوصيلها إلي الهمامية، لذلك فقد كان شيخ العرب همام يحصل ضرائب سنويا تبلغ 150000 ألف أردب القمح يرسلها إلي بكوات وباشوات مصر .
ويلاحظ إن الفلاحين التابعين لهذه القبيلة، كانوا أكثر ثراء، وعندما تولى محمد على حكم مصر، كانوا من القوة حتى إن (أولاد يحي) الذين أستقروا على الضفاف الشرقية للنيل من بهجورة حتى قنا حازوا على شهرة كبيرة بأعمالهم الثورية وقيامهم بالثورات.
وازداد نفوذ الهوارة قوة فى جرجا وخاصة بعد القضاء على نفوذ عربان المغاربة والضعفا، حتى إنه قد تم تجهيز تجريدة للقضاء على عصيانهم وعرضت السلطات الحاكمة فى القاهرة على عبد الرحمن بك حكم جرجا لمدة ثلاث سنوات تبدأ بعام 1110هجري/ 1698م بشرط القضاء على عصيان عربان هوارة، الذين اشترك معهم الأمير حسن الاخميمي، وهوارة بحري وقاضى جرجا والعسكر والهوارة والمزارعين والفلاحين التابعين لهم.
معارك الهوارة
وقامت معركة بين الجانبين فى برديس وفرشوط واستخدمت فيها الخطط العسكرية المستخدمة فى ذلك الوقت، بالإضافة إلي استخدام الهوارة السلاح الاقتصادى فى منع الغلال عن القاهرة، وتم طرد الهوارة من ديارهم فى عهد عبد الرحمن بك، وأعيدوا بموجب فرمان من حسين باشا وخاصة بعد إن عزل عبد الرحمن بك عام 1113هجري/ 1701م .
واستولى عربان هوارة بحرى على دوار برديسى وعلى نحاس وحجر الطواحين، والعبيد والخيول والاخشاب وفنى أكثر من نصفهم، وتم تسوية الخلاف بين الجانبين وأرسلت الغلال إلي القاهرة، وامتد نفوذ الهوارة لشمل الجانب العسكري، فقاموا بدور عظيم فى حماية الصعيد ومطاردة العربان الذين كانوا يقوموا بالهجوم على فلاحى هذه المناطق .
رواية الجبرتي عن نهاية نفوذ همام
وذكر الجبرتي: في عصر الأمير همام، إن بعد ما ملك المصريون أسيوط بقيادة محمد بيك أبو الذهب، عند جبانة أسيوط، وقتل محمد بيك أبو شنب، وأغتنم محمد بيك أبو الذهب لموته، وفرح لوقوع الزايرجة عليه، ومفاداته له، لأنه كان يعلم ذلك أيضاً.
وأقاموا بأسيوط أياما، ثم ارتحلوا إلي قبلى، بقصد محاربة همام والهوارة، واجتمع كبار الهوارة مع من انضم اليهم من الأمراء المهزومين.
فراسل محمد بيك إسماعيل أبو عبد الله، وهو ابن عم همام، واستماله ومناه، وواعده برياسة بلاد الصعيد، عوضا عن شيخ العرب همام، حتى ركن إلي قوله، وصدق تمويهاته، وتقاعس وتثبط عن القتال، وخذل طوائفه.
ولما بلغ شيخ العرب همام ما حصل، ورأى فشل القوم، خرج من فرشوط، وبعد مسافة ثلاثة أيام، ومات مكمودا ومقهورا.
ووصل محمد بيك، ومن معه إلي فرشوط، فلم يجدوا مانعا فملكوها ونهبوها، وأخذوا جميع ما كان بدوائر همام وأقاربه وأتباعه، من ذخائر وأموال وغلال، وزالت دولة شيخ العرب همام من بلاد الصعيد من ذلك التاريخ، كانها لم تكن.
ورجع الأمراء إلي مصر، ومحمد بيك أبو الذهب، وسحبته دراويش ابن شيخ العرب همام، فإنه لما مات أبوه، وانكسر ظهر القوم بموته، وعلموا إنهم لا نجاح لهم بعده، أشاروا على ابنه بمقابلة محمد بيك، وانفصلوا عنه، وتفرقوا فى الجهات.
منهم من ذهب إلي درنة، ومنهم من ذهب إلي الروم، ومنهم من ذهب إلي الشام.
وقابل درويش بن همام محمد بيك، وحضر صحبته إلي مصر، وأسكنه فى مكان بالرحبة المقابلة لبيته، وصار يركب ويذهب لزيارة المشاهد، ويتفرج على مصر، ويتفرج عليه الناس، ويعدون خلفه وأمامه لينظروا ذاته.
وكان وجيها طويلا أبيض اللون، أسود اللحية، جميل الصورة.
ثم إن على بيك أعطاه بلاد فرشوط والوقف، بشفاعة محمد بيك، وذهب إلي وطنه، فلم يحسن السير والتدبير، وأخذ أمره فى الانحلال وحاله فى الاضمحلال.
وأرسل من طالبه بالأموال والذخائر، فأخذوا ماوجدوه، وحضر إلي مصر والتجأ محمد بيك فأكرمه، وانزله بمنزل بجواره.
فلم يزل مقيما به حتى خرج محمد بيك من مصر مغاضبا لأستاذه، فلحق به، وسافر لصعيد، وخلص الاقليم المصرى بحرى وقبلى إلي على بيك وأتباعه.
فشرع فى قبل المنافى الذين أخرجهم إلي البنادر مثل: دمياط، ورشيد، والإسكندرية، والمنصورة، فكان يرسل اليهم، ويخنقهم، واحدا بعد واحد.
فخنق على كتخدا الخربطلى برشيد، وحمزة بيك تابع خليل بيك بزفتا، وقتلوا معه سليمان أغا الوالى، وإسماعيل بيك أبا مدفع بالمنصورة.
وعثمان بيك تابع خليل بيك، هرب إلي مركب البيليك، فحماه وذهب إلي اسطنبول.
ومات هناك، ونفى أيضاً جماعة وأخرجهم من مصر، وفيهم سليمان كتخدا المشهدى، وإبراهيم أفندى جمليان.
ومات الباشا المتفضل بالبيت الذي نزل فيه، ولحق بمن قبله.
ومما اتفق إن على بيك صلى الجمعة فى أوائل شهر رمضان، بجامع الداودية، فخطب الشيخ عبد ربه، ودعا للسلطان، ثم دعا لعلى بيك.
فلما انقضت الصلاة، وقام على بيك يريد الانصراف، أحضر الخطيب وكان رجلاً من أهل العلم يغلب عليه البلة والصلاح، فقال له: (من أمرك بالدعاء باسمى على المنبر، أقيل لك انى سلطان ؟).
فقال: (نعم انت سلطان، وانا أدعو لك)، فأظهر الغيظ، وأمر بضربه، فبطحوه وضربوه بالعصى.
فقام بعد ذلك متألما من الضرب، وركب حمارا وذهب إلي داره، وهو يقول فى طريقه: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ.
ثم إن على بيك أرسل إليه فى ثانى يوم، بدراهم وكسوة، واستسمحه.



