علاء عبدالله يكتب: المدينة التي نبحث عنها في المكان الخطأ.. حين يتحول القرآن إلى منهج لصناعة الحياة
يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي فكرة لافتة تتجاوز السؤال التقليدي عن المساعدة إلى سؤال أكثر عمقًا: هل نبحث عن الحياة الأفضل في المكان الخطأ؟ فبدلًا من اختزال مساعدة الإنسان في المال أو الدعم المادي أو انتظار حلول تأتي من الخارج يفتح الشرفاء بابًا للتفكير في المساعدة باعتبارها سلوكًا إنسانيًا ومجتمعيًا يبدأ من الإنسان نفسه ومن الطريقة التي يتعامل بها مع من حوله.
وتبدأ الفكرة من قصة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الحكايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، عن مجتمع غامض يتعامل أفراده مع بعضهم باعتبارهم أسرة واحدة ويغيب فيه الفاصل الحاد بين من يملك ومن لا يملك، ومع انتشار القصة، انشغل الناس بمحاولة اكتشاف المكان وبدأت التكهنات تبحث عن تفسير مادي أو تكنولوجي لهذه الحياة المختلفة.
لكن المفاجأة الحقيقية في الطرح ليست في وجود مدينة خارقة أو مجتمع يمتلك قدرات استثنائية، وإنما في اكتشاف أن الصورة التي يبحث عنها الناس ليست بالضرورة مكانًا جغرافيًا يمكن الوصول إليه، بل نموذجًا إنسانيًا يمكن صناعته. وهنا ينتقل النص من الحكاية إلى الفكرة ومن البحث عن المكان إلى البحث عن السلوك الذي يجعل هذا المكان ممكنًا.
وتظهر في المشاهد التي يستعرضها النص نماذج بسيطة للمساعدة: طفل يساعد آخر، وفتاة تجد من يقف إلى جوارها، وأشخاص يقدمون العون دون انتظار مقابل، وتبدو هذه التفاصيل اليومية بسيطة لكنها تحمل المعنى الأساسي؛ فالمجتمع المتماسك لا يبنى بالإنجازات الضخمة وحدها، وإنما يبدأ من مواقف صغيرة تتكرر كل يوم حتى تتحول إلى ثقافة عامة.
وهنا تأتي النقلة الفكرية الأهم عندما يستدعي النص القرآن الكريم ليس باعتباره كتابًا يقرأ فحسب، وإنما باعتباره منهجًا يمكن أن يتحول إلى ممارسة في الحياة، فالقيمة الحقيقية لأي مبدأ ديني أو أخلاقي لا تظهر في مقدار ما نحفظه من نصوص، وإنما في مدى قدرتنا على تحويل تلك النصوص إلى سلوك ينعكس على علاقتنا بالآخرين.
ومن هذه الزاوية، تصبح المساعدة نتيجة طبيعية لمجتمع يقوم على التعاون والتكافل.وليست مجرد فعل منفصل تقوم به فئة تجاه فئة أخرى، فإذا أصبح كل فرد مستعدًا لتقديم ما يستطيع سواء كان مالًا أو وقتًا أو معرفة أو دعمًا معنويًا، فإن الحاجة إلى انتظار “منقذ” خارجي تتراجع ويبدأ المجتمع في إنتاج قدرته على مساعدة أفراده بنفسه.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل النص مختلفًا عن الخطاب التقليدي الذي يتعامل مع المساعدة باعتبارها عملية مرتبطة بالصدقات أو الموارد المالية فقط، فالمساعدة هنا مفهوم أوسع بكثير قد تكون كلمة، أو موقفًا، أو معرفة، أو وقتًا، أو حماية لشخص ضعيف، أو مساندة لإنسان يمر بظرف صعب، وبالتالي فإن كل إنسان يمتلك شيئًا يستطيع أن يمنحه للآخرين.
ويطرح النص سؤالًا أكثر إلحاحًا: إذا كانت هذه القيم موجودة في النصوص الدينية منذ زمن طويل، فلماذا لا نعيشها بالصورة التي تجعل مجتمعاتنا أكثر ترابطًا ورحمة؟، وهنا تظهر الفجوة بين معرفة القيمة وممارسة القيمة، فالمشكلة ليست دائمًا في غياب المبادئ وإنما في عدم انتقالها من الكتب إلى الشارع، ومن الخطاب إلى السلوك، ومن المعرفة إلى الممارسة اليومية.
وهذه ربما تكون الرسالة الأكثر أهمية في العمل كله؛ لأن قراءة النصوص وحدها لا تصنع مجتمعًا صالحًا وإنما الذي يصنعه هو الإنسان عندما يقرر أن يجعل ما قرأه جزءًا من طريقة حياته، فالعدل لا يصبح واقعًا بمجرد الحديث عنه، والتعاون لا يتحقق بمجرد ترديد أهميته، والمساعدة لا تصبح ثقافة بمجرد الدعوة إليها.
ومن هنا تأتي فكرة “المدينة التي لا نجدها” بوصفها استعارة عن المجتمع الذي يبحث عنه الإنسان في الخارج بينما يمكن أن يبدأ في بنائه من داخله، وليست هناك ضرورة لأن ننتظر مدينة مثالية مجهولة أو مجتمعًا خارقًا حتى نرى هذه القيم تتحقق؛ فالمدرسة يمكن أن تكون نموذجًا مصغرًا لها، والأسرة يمكن أن تكون نموذجًا آخر، وكذلك مكان العمل والشارع والعلاقات اليومية.
وعندما يتحول احترام الآخر والتعاون معه ومساعدته إلى سلوك متكرر تبدأ ملامح هذه المدينة في الظهور دون أن تحمل اسمًا أو عنوانًا على الخريطة، فالمدينة الحقيقية ليست المباني والشوارع، وإنما العلاقات التي تنشأ بين الناس داخلها.
واللافت كذلك أن النص لا يقدم التغيير باعتباره مهمة ضخمة تحتاج إلى قرارات عالمية، بل يبدأ من الدائرة الأقرب إلى الإنسان. فبدلًا من السؤال: كيف نغير العالم كله؟ يصبح السؤال: ماذا يمكنني أن أغير في محيطي الصغير؟ وإذا كرر ملايين الأشخاص هذا السؤال وتحول إلى ممارسة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تغييرًا أوسع بكثير.
وهنا يلتقي البعد الديني بالبعد الاجتماعي والإنساني في فكرة واحدة: القيم لا تعيش بالنصوص وحدها، وإنما بالإنسان الذي يحملها إلى الواقع، فالقرآن وفق الرؤية التي يقدمها النص، لا يختزل في التلاوة والمعرفة، بل يمكن أن يكون مصدرًا لبناء علاقة أكثر مسؤولية بين الإنسان ومجتمعه.
وفي النهاية، يعيد النص صياغة السؤال الأول بصورة أكثر عمقًا: ربما لم نجد المجتمع الذي نحلم به لأننا ظللنا نبحث عنه باعتباره مكانًا جاهزًا بينما الحقيقة أن المجتمع الأفضل لا يُكتشف وإنما يبنى، وكل موقف مساعدة، وكل سلوك رحيم، وكل تعاون صادق، وكل رفض للأنانية، هو لبنة جديدة في هذا البناء.
لذلك فإن الرسالة النهائية ليست البحث عن مدينة مثالية بعيدة، وإنما اكتشاف إمكانية صناعة نسخة منها في حياتنا اليومية، فقد لا نستطيع تغيير العالم دفعة واحدة، لكننا نستطيع تغيير الطريقة التي نتعامل بها مع شخص واحد، ثم أسرة، ثم مدرسة، ثم مجتمعًا كاملًا.
وربما تكون المفارقة الأجمل في هذه الفكرة أن المدينة التي بحث عنها الناس طويلًا لم تكن مختبئة خلف حدود جغرافية أو أسرار تكنولوجية، بل كانت موجودة في أبسط شيء: إنسان يساعد إنسانًا آخر دون انتظار مقابل، ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي؛ ليس عندما نعثر على المدينة، وإنما عندما نبدأ نحن في بنائها.



