شخصيات وطنية

الحاج محمود العربي … احد رموز الصناعة المصرية

الحاج محمود العربي ابن المنوفية الذي صنع مجد الصناعة المصرية وخلّد اسمه بالعطاء

لم تكن قصة الحاج محمود العربي، مؤسس مجموعة العربي وأحد أبرز رجال التجارة والصناعة في مصر، مجرد رحلة نجاح من بائع بسيط إلى صاحب صرح صناعي كبير بل كانت أيضًا حكاية إنسان آمن بأن قيمة المال الحقيقية فيما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين وأن النجاح لا يكتمل إلا حين تمتد ثماره إلى العامل والفقير واليتيم وابن القرية.

وُلد الحاج محمود إبراهيم العربي في 15 أبريل 1932م بقرية أبو رقبة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية ونشأ في أسرة ريفية بسيطة فكان والده مزارعًا يستأجر الأرض لزراعتها ولم تكن ظروف الأسرة تسمح له بالتعليم النظامي التحق بكتّاب القرية في سن الثالثة وحفظ القرآن الكريم في طفولته فارتبطت بداياته المبكرة بقيم دينية وأخلاقية ظل يستحضرها في حياته وعمله

ومنذ صغره ظهرت موهبته التجارية فبدأ ببيع لعب الأطفال في الأعياد ثم انتقل إلى القاهرة وعمل في المتاجر قبل أن يخوض تجربته الخاصة في التجارة بمنطقة الموسكي ومع مرور السنوات أسس عام 1964م مجموعة العربي التي توسعت من التجارة إلى الصناعة وأصبحت من الأسماء البارزة في مجال الأجهزة الكهربائية وارتبط اسمها بتوكيلات عالمية من بينها توشيبا ثم امتدت أنشطتها إلى المصانع ومراكز الإنتاج والتوزيع لتوفر فرص عمل لآلاف المصريين

لكن ما يستحق التوقف عنده في سيرة ابن أبو رقبة ليس حجم ما بناه فحسب وإنما الطريقة التي تعامل بها مع المال والناس وهي الطريقة التي جعلت كثيرين يتذكرونه باعتباره رجل أعمال لم يفصل بين نجاح التجارة ومسؤولية الإنسان تجاه غيره وإليكم أبرز المواقف التي تُروى عن حياته

الموقف الأول قصة وفائه لشريكه الأول إذ يُحكى أن شريكه توفي وترك أبناءً صغارًا فلم يتعامل العربي مع الوفاة باعتبارها فرصة لإنهاء الشراكة والاستئثار بما تحققه التجارة بل حافظ على حقوق أبناء شريكه ونصيبهم من الأرباح وواصل رعايتهم حتى كبروا وتبقى دلالة هذه القصة إنصاف الشريك وحفظ حقوق أبنائه بعد غيابه واحدة من المعاني التي تلخص قيمة الوفاء في عالم التجارة

الموقف الثاني فيتعلق بعلاقته بالعاملين في مؤسساته فقد كان يرفض النظر إليهم باعتبارهم مجرد موظفين يعملون لديه وكان يؤكد أن العاملين معه شركاء في النجاح، ومن أقواله المأثورة «مافيش حاجة اسمها واحد بيشتغل عندنا اسمها بيشتغل معانا»

الموقف الثالث يكشف جانبًا آخر من شخصيته وهو التواضع والابتعاد عن المظاهر فقد تداولت روايات عن لقاء وفد من شركة توشيبا اليابانية به لتقييم منحه التوكيل، فكانت الصدمة الكبرى للوفد الياباني دخل المندوبون ولم يجدوا مكتبًا فخمًا أو حراسة بل وجدوا الحاج محمود يجلس على مكتب متواضع جدًا وسط العمال في صالة العرض ولا يكاد أحد يفرقه عن أي عامل بسيط لديه ورغم أن الوفد رفض الفكرة في البداية لعدم اهتمامه بالمظاهر إلا أن هذا التواضع والإخلاص كانا السبب الحقيقي وراء النجاح الأسطوري لاحقاً

الموقف الرابع فيجسد معنى قضاء حوائج الناس إذ تُروى عنه قصة رجل مسن وزوجته التقياه في مسجد الرحمن الرحيم بصلاح سالم وطلبا منه مساعدتهما على أداء فريضة الحج قبل أن يدركهما الكبر ووفقًا للرواية لم يتردد في الاستجابة لطلبهما، ووجّه مساعديه إلى تدبير نفقات الرحلة وإجراءاتها وهذه الحكاية تعكس الصورة التي ارتبطت به في أذهان محبيه رجل يرى في مساعدة المحتاج فرصة للعطاء لا عبئًا ينبغي التهرب منه

الموقف الخامس وربما كان الأقرب إلى قلوب أبناء المنوفية، هو وفاؤه لمسقط رأسه قرية أبو رقبة بمركز أشمون فبعد أن اتسعت تجارته وامتدت أعماله إلى مختلف المناطق، لم ينسَ القرية التي شهدت مولده وبداياته الأولى بل ارتبط اسمه بمشروعات خدمية واجتماعية وتعليمية تركت أثرًا في حياة أهلها

ومن أبرز هذه المشروعات مستشفى العربي الذي يقدم خدمات طبية ومؤسسات تعليمية ومعاهد أزهرية إلى جانب دعم الأسر الأولى بالرعاية والأيتام والأرامل والمساهمة في الخدمات العامة بالقرية إلى جانب صورًا متعددة من عطائه؛ منها مساعدة المقبلين على الزواج، وتوزيع الأضاحي على الأهالي والمساهمة في احتياجات المرافق والخدمات، فضلًا عن دعم الشباب في العمل وتوفير فرص الرزق لهم

الموقف السادس ويأتي في صورة الزهد والاعتدال في الإنفاق الشخصي وهي صفة ارتبطت بشهادات كثيرين ممن عرفوه رغم أن ثروته تخطت مليارات الجنيهات إلا أنه عُرف بزهد شديد؛ فلم يكن ينفق ببذخ وروى المقربون منه أنه ظل يحتفظ بسيارته الشخصية لمدة زادت عن 20 عامًا دون تغيير معتبرًا أن المال وُجد لفتح بيوت الناس وتطوير الصناعة الوطنية وليس للتباهي والتفاخر

وفي 9 سبتمبر 2021م رحل الحاج محمود العربي عن عمر ناهز 89 عامًا، بعد رحلة طويلة من الكفاح والعمل والعطاء وفي اليوم التالي الجمعة 10 سبتمبر 2021م شيّع الآلاف جثمانه في جنازة مهيبة بقرية أبو رقبة وأُديت صلاة الجنازة عليه في مسجد العربي بالقرية عقب صلاة الجمعة ثم وُوري الثرى في مقابر العائلة بمسقط رأسه، حيث بدأت رحلته الأولى قبل عقود طويلة

رحل الرجل وبقيت سيرته حاضرة في ذاكرة أبناء قريته والعاملين معه وفي قصة مؤسسة صناعية مصرية نشأت من بدايات متواضعة ثم اتسعت أعمالها وبين التجارة والصناعة والعمل الخيري تظل الدروس الأهم في حياته هي حفظ الحقوق واحترام العامل ومساندة المحتاج، وعدم نسيان الجذور والنظر إلى النجاح باعتباره مسؤولية تتجاوز صاحبه إلى مجتمعه ووطنه

تحية فخر واعتزاز بالحاج محمود العربي ابن أبو رقبة بمحافظة المنوفية الذي جمع بين الكفاح في طلب الرزق والسعي إلى نفع الناس وترك لأبناء محافظته نموذجًا يُستحق أن يُروى وتُستخلص منه العبر

نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته وأن يجعل ما قدمه من خير في ميزان حسناته وأن يجزيه عن كل إنسان أعانه وكل أسرة ساهم في فتح باب رزق لها وكل مريض وجد سبيلًا إلى العلاج وكل طالب وجد فرصة للتعلم، خير الجزاء اللهم اغفر له وارحمه وأسكنه فسيح جناتك واجعل سيرته الطيبة أثرًا باقيًا في ذريته ومحبيه وأبناء وطنه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى