علاء عبدالله يكتب: من إصلاح النفس إلى استقرار الأسرة.. منهج قرآني لبناء مجتمع متماسك
يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “منهج الله في إصلاح النفس وبناء المجتمع” رؤية تربط بين الالتزام بالقيم القرآنية وقدرة الإنسان على ضبط سلوكه، مؤكدًا أن إصلاح المجتمع يبدأ من بناء شخصية الفرد وتعزيز قدرته على مقاومة الغضب وتجنب السلوكيات التي تقود إلى الخلافات والجرائم، وصولًا إلى تأسيس أسرة مستقرة تقوم على المودة والرحمة والمسؤولية المشتركة.
ويؤكد الشرفاء أن ذكر الله واستحضار تعاليمه في المواقف اليومية يمثلان وسيلة لحماية الإنسان من الانسياق وراء الانفعالات وردود الفعل المتسرعة، موضحًا أن استحضار الآيات التي تدعو إلى كظم الغيظ والعفو عن الناس يساعد على احتواء الخلافات قبل أن تتطور إلى أفعال تترتب عليها أضرار اجتماعية وقانونية، ويستشهد في ذلك بقوله تعالى: “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”، ليبرز أهمية تحويل القيم الدينية إلى سلوك عملي ينعكس على علاقات الإنسان بمن حوله.
وفي السياق نفسه، يستحضر الكاتب قوله تعالى: “وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا”، باعتبارها دعوة إلى ضبط النفس والتعامل مع الاستفزاز بالحكمة والهدوء بدلًا من الانجرار إلى الخصومة والتصعيد، ومن هذا المنطلق يربط المقال بين الوعي بالتعاليم القرآنية والوقاية من السلوك العدواني، مشيرًا إلى أن استحضار المسؤولية أمام الله والقانون يعزز قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا.
وينتقل الشرفاء من إصلاح سلوك الفرد إلى بناء الأسرة، متوقفًا عند مفهوم العلاقة الزوجية كما يعرضه القرآن الكريم وخاصة قوله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، ويرى أن الآية تؤسس لعلاقة متبادلة بين الزوجين يكون فيها كل طرف مصدرًا للسكن النفسي والطمأنينة للآخر، وتقوم الحياة المشتركة على المودة والرحمة، بعيدًا عن الفهم الذي يحصر هذا المعنى في جانب واحد من العلاقة.
كما يؤكد المقال أن المساواة في الكرامة الإنسانية والثواب على العمل الصالح تمثلان أساسًا مهمًا لفهم مكانة المرأة في التصور القرآني، مستشهدًا بقوله تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً”، وينطلق الكاتب من هذه الآية في رفض الانتقاص من شأن المرأة أو التعامل معها باعتبارها أقل قيمة، مشددًا على أن العلاقة بين الرجل والمرأة ينبغي أن تستند إلى العدل وحسن المعاملة لا إلى عادات اجتماعية تنتقص من حقوق أحد الطرفين.
ويتناول الشرفاء مسؤوليات الزوجين داخل الأسرة، موضحًا أن استقرار الحياة الزوجية يرتبط بالتعاون والوفاء بالواجبات، مع تحمل الزوج مسؤولية توفير احتياجات الأسرة الأساسية، من سكن ومعيشة ورعاية صحية وتعليم ومساهمة الزوجة في إدارة شؤون المنزل وتربية الأبناء والعناية بالأسرة، ويؤكد أن أداء هذه المسؤوليات ينبغي أن يجري في إطار من الأمانة والتفاهم والمودة والرحمة بما يحفظ لكل طرف مكانته ويحد من أسباب النزاع والتفكك الأسري.
وتكشف رؤية المقال عن ترابط واضح بين إصلاح النفس وتنظيم العلاقات الأسرية وتحقيق الاستقرار المجتمعي؛ فالإنسان الذي يتعلم التحكم في غضبه واحترام الآخرين يكون أكثر قدرة على بناء علاقات سليمة، والأسرة التي تقوم على العدل والتعاون والرعاية المتبادلة تصبح بيئة مناسبة لتنشئة أبناء يتحلون بالمسؤولية وحسن التعامل، ومن ثم لا ينظر الكاتب إلى القيم القرآنية باعتبارها مبادئ نظرية فحسب، بل باعتبارها قواعد سلوكية يمكن أن تسهم في معالجة مشكلات الفرد والأسرة والمجتمع.
ويخلص المقال إلى أن بناء مجتمع متماسك يبدأ من الإنسان نفسه، من خلال تهذيب سلوكه وترسيخ الرحمة في تعاملاته ثم يمتد إلى الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، وهي رسالة تؤكد أن السلام الاجتماعي لا يتحقق بالقوانين وحدها بل يحتاج أيضًا إلى ضمير يقظ، علاقات إنسانية عادلة، وتربية تقوم على المودة والمسؤولية، حتى يصبح إصلاح الفرد أساسًا لصلاح الأسرة واستقرار المجتمع.



