علاء عبدالله يكتب: عندما تتحول أفكار السلام إلى عمل يتجاوز الحدود
يحمل التكريم الذي حصل عليه المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي من الاتحاد العالمي للمواطن المصري في الخارج دلالات تتجاوز مجرد الاحتفاء بشخصية فكرية، إذ يفتح الباب أمام قراءة أوسع لفكرة العلاقة بين الفكر والعمل الإنساني، فقد جرى تكريم الشرفاء ومنحه درع الشرف والوفاء تقديرًا لما طرحه من أفكار وجهود مرتبطة بتعزيز السلام ونشر التسامح والتعايش وخدمة الإنسانية، وهي قيم لا تتوقف عند حدود دولة أو مجتمع وإنما ترتبط بقضايا إنسانية مشتركة تتقاطع عندها الشعوب والثقافات المختلفة.
ويكتسب هذا التكريم خصوصية إضافية من الطريقة التي جرى بها تسليم الدرع، إذ تم ذلك في مكتب الشرفاء بالعاصمة الإماراتية أبوظبي بحضور وفد ضم الكاتب بهجت العبيدي والمهندس حسام زينة، ممثلي فرع مؤسسة رسالة السلام العالمية في النمسا، ويعكس حضور شخصيات تمثل مؤسسة تعمل من خارج المنطقة العربية جانبًا من الامتداد الدولي للأفكار والمشروعات المرتبطة بالسلام، كما يشير إلى أن القضايا الإنسانية يمكن أن تخلق مساحات للتواصل بين أشخاص ينتمون إلى بيئات وثقافات مختلفة عندما يجتمعون حول أهداف مشتركة.
ويشير نص التكريم الرسمي إلى تقدير واضح للمكانة الفكرية والإنسانية التي يحظى بها الشرفاء، حيث وصفته الجهة المانحة بأنه مفكر عربي كبير وربطت هذا التقدير بإسهاماته في المجال الإنساني والفكري، وبعيدًا عن العبارات الاحتفالية التي تصاحب مثل هذه المناسبات فإن أهمية التكريم في سياقه تكمن في أنه يلفت الانتباه إلى الأفكار التي تحاول الانتقال من مستوى الكتابة والتنظير إلى مستوى المبادرات والمشروعات التي تستهدف التواصل بين الناس وترسيخ قيم التسامح والحوار.
وتبدو الفكرة الأساسية التي يطرحها هذا التكريم مرتبطة بسؤال أوسع: كيف يمكن للأفكار التي تتحدث عن السلام أن تتحول إلى ممارسات حقيقية؟ فالحديث عن السلام يظل محدود الأثر إذا بقي داخل الكتب والخطابات، بينما تبدأ قيمته الاجتماعية في الظهور عندما تتحول المبادئ إلى مبادرات ومؤسسات وبرامج قادرة على الوصول إلى الناس والتأثير في وعيهم وعلاقاتهم بالآخر، ومن هذه الزاوية، يصبح التكريم مناسبة للتوقف أمام أهمية تحويل القيم الإنسانية من مفاهيم مجردة إلى ممارسات يمكن أن يشعر بها المجتمع.
كما يسلط الحدث الضوء على أهمية بناء القواسم المشتركة بين البشر، خاصة في ظل عالم تتعدد فيه أسباب الخلاف والانقسام، فتعزيز الحوار والتسامح لا يعني إلغاء الاختلاف بين الناس وإنما إيجاد مساحات تسمح بإدارته بعيدًا عن الكراهية والصدام، وعندما تصبح المشتركات الإنسانية نقطة انطلاق للحوار، يمكن أن تتحول الاختلافات من سبب للتباعد إلى فرصة للتعارف وفهم الآخر بصورة أعمق.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة الشرفاء، كما يعرضها المحتوى، باعتبارها نموذجًا على انتقال الفكرة من المجال الفكري إلى المجال الإنساني العملي، فالفكرة لا تكتسب حضورها فقط من صياغتها وإنما من قدرتها على الوصول إلى الناس وترك أثر في حياتهم ووعيهم، وكلما تحولت المبادئ إلى مشروعات وأنشطة ومبادرات أصبح من الممكن اختبار أثرها على أرض الواقع بدلًا من بقائها مجرد شعارات عامة.
ولا يقتصر الأمر على التكريم ذاته، بل إن وجود وفد دولي لتسليم الدرع يحمل رسالة أخرى تتعلق بطبيعة العمل الإنساني الذي يتجاوز الحدود، فالسلام والتسامح والتعايش ليست قضايا محلية تخص مجتمعًا بعينه وإنما موضوعات يمكن أن تتشارك فيها مؤسسات وشخصيات من دول مختلفة، ولذلك فإن التواصل بين فروع المؤسسات والجهات العاملة في هذا المجال يمكن أن يوسع دائرة الأفكار ويمنحها قدرة أكبر على الانتشار والوصول إلى مجتمعات متعددة.
وفي النهاية، يضع هذا الحدث أمامنا فكرة تستحق التأمل: قيمة الأفكار لا ترتبط فقط بقدرتها على وصف المشكلات وإنما أيضًا بقدرتها على التحول إلى عمل يترك أثرًا في الواقع، والتكريم الذي حصل عليه الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي يمثل تقديرًا لمسار فكري وإنساني يرتبط بالسلام والتسامح والتعايش، كما يفتح نقاشًا حول مسؤولية أصحاب الأفكار في تحويل ما يؤمنون به إلى مشروعات وممارسات يستفيد منها الناس، فحين تنتقل الفكرة من صفحات الكتب إلى حياة الناس، يصبح تأثيرها أكثر وضوحًا وتتحول قيم مثل السلام والحوار والتسامح من شعارات عامة إلى ممارسات يمكن أن تتسع دائرتها وتتجاوز الحدود.



