مقالات

علاء عبدالله يكتب: علي محمد الشرفاء الحمادي.. رؤية تتجاوز إصلاح الفكر إلى استعادة قوة المشروع العربي

لا تنحصر أهمية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في القضايا المرتبطة بتصحيح المفاهيم الدينية أو الدعوة إلى التسامح والسلام، فهناك جانب آخر من مشروعه الفكري يتصل بمستقبل العالم العربي، وما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، فضلًا عن الحاجة إلى بناء رؤية مشتركة قادرة على حماية مصالح الشعوب وتعزيز فرص التنمية والاستقرار.

ومن هذه الزاوية، تبدو كتاباته محاولة لربط الوعي الفكري بقضايا الواقع وعدم التعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها مشكلات منفصلة؛ فضعف التعاون الاقتصادي، وتباعد المواقف السياسية، وتراجع العمل العربي المشترك، كلها قضايا تتطلب تفكيرًا استراتيجيًا يتجاوز الحلول المؤقتة، ويضع مستقبل الأجيال القادمة في مقدمة الأولويات.

الأمن العربي يبدأ من إدراك المصالح المشتركة

من أبرز القضايا التي تناولها الشرفاء الحمادي مفهوم الأمن القومي العربي، إذ لا ينظر إليه باعتباره مسألة عسكرية أو ترتبط بحماية الحدود فقط، وإنما يربطه بوجود مصالح مشتركة بين الدول العربية، وقدرتها على التعاون في مواجهة المخاطر التي تهدد استقرارها ومستقبل شعوبها.

وفي كتابه «دراسات ومشاريع حلول لمواجهة المستقبل العربي»، يطرح تساؤلات حول مدى إدراك الدول العربية لمعنى الأمن المشترك، ومدى استعدادها لتوظيف إمكاناتها الاقتصادية والسياسية في بناء منظومة تحمي مصالح الجميع، ويقوم هذا التصور على أن الخطر الذي يهدد دولة عربية قد تمتد آثاره إلى دول أخرى، وأن التعامل معه يحتاج إلى تنسيق وتعاون يتجاوز الحسابات الضيقة.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من أنها تنقل مفهوم الأمن من دائرة رد الفعل إلى دائرة التخطيط المسبق، فالدول لا تحمي استقرارها بالقوة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى علاقات متوازنة، واقتصادات قادرة على مواجهة الأزمات، وشراكات تجعل مصالحها متداخلة بما يعزز فرص الاستقرار.

التكامل الاقتصادي بوابة لاستعادة التأثير العربي

يولي الشرفاء الحمادي اهتمامًا واضحًا بالتعاون الاقتصادي بين الدول العربية، ويرى أن امتلاك الموارد والثروات لا يكفي وحده لتحقيق التقدم، ما لم تصاحبه رؤية مشتركة تحسن توظيف هذه الإمكانات وتربطها باحتياجات الشعوب.

وفي هذا السياق، يطرح فكرة تجاوز العوائق التي تحد من انتقال البضائع والتبادل التجاري، والعمل على تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية القائمة بدلًا من بقائها في إطار التصريحات والبيانات، كما يشير إلى أهمية وجود آليات إدارية تجمع القطاعين الحكومي والخاص للمساهمة في دفع مشروعات التكامل الاقتصادي.

وهنا تتضح إحدى النقاط المهمة في مشروعه؛ فالتعاون العربي ليس مجرد شعار سياسي أو تعبير عن روابط تاريخية وثقافية، وإنما يجب أن يتحول إلى مصالح اقتصادية ملموسة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية، سواء من خلال زيادة فرص العمل أو تنشيط التجارة أو تحسين مستويات المعيشة.

الإنسان في قلب خطط التنمية ومواجهة البطالة

لا تنفصل القضايا الاقتصادية في كتابات الشرفاء الحمادي عن قضية الإنسان، فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم المشروعات أو الأرقام الاقتصادية وحدها، وإنما بقدرتها على توفير فرص مناسبة للمواطنين، والاستفادة من طاقاتهم، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة في بناء مجتمعاتهم.

وتظهر هذه الرؤية في تناوله لقضايا التأهيل والبطالة، حيث تبرز الحاجة إلى وضع خطط مستقبلية تستوعب الطاقات البشرية وتوظفها بصورة علمية، بدلًا من ترك الكفاءات دون فرص مناسبة أو السماح بإهدار قدراتها، ويكشف هذا الطرح عن اهتمام بالربط بين التخطيط الاقتصادي ومتطلبات سوق العمل، باعتبار أن الإنسان هو العنصر الأساسي في أي مشروع تنموي ناجح.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في التعليم والتدريب ورفع كفاءة الشباب يمثل ضرورة تتجاوز حدود توفير الوظائف؛ فهو يرتبط ببناء مجتمع يمتلك القدرة على الإنتاج والمنافسة، ويستطيع التعامل مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

المصالحة العربية وتجاوز الخلافات السياسية

من القضايا التي تتكرر في رؤيته ضرورة معالجة الخلافات العربية، وعدم السماح للنزاعات السياسية أو الحسابات الإقليمية بأن تتحول إلى عائق دائم أمام التعاون بين الدول، فالمصالح المشتركة، وفق هذا الطرح، ينبغي أن تكون أساسًا للعلاقات العربية، وأن تتقدم على الخلافات التي تستنزف الموارد وتبدد فرص التنمية.

ويؤكد الشرفاء الحمادي في مشروعه الفكري أهمية المصالحة العربية، وإعادة صياغة العلاقات السياسية والاقتصادية على أساس يضع مصالح الشعوب في المقدمة، مع ضرورة تجاوز آثار الخلافات السابقة وفتح المجال أمام التعاون في الملفات التي تحقق منفعة مشتركة.

وتعكس هذه الدعوة إدراكًا لخطورة استمرار الانقسامات في منطقة تواجه تحديات متشابكة، إذ إن إهدار الإمكانات في الصراعات يضعف قدرة الدول على التعامل مع الأزمات الكبرى، ويؤثر في فرص بناء مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال الجديدة.

مسؤولية القيادات في حماية مستقبل الشعوب

لا يكتفي الشرفاء الحمادي بتشخيص أزمات الواقع العربي، بل يوجه اهتمامًا إلى مسؤولية القيادات السياسية في التعامل معها، مؤكدًا ضرورة أن تنطلق القرارات من احتياجات المواطنين ومصالحهم، وأن تكون الأولوية لتحقيق الاستقرار وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

وتحمل هذه الرؤية بُعدًا مهمًا يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع؛ فنجاح السياسات لا يتحقق بمجرد إعلان الأهداف، وإنما بوجود خطط قابلة للتنفيذ، ومؤسسات قادرة على تحويل القرارات إلى نتائج ملموسة. كما أن حماية مصالح الشعوب تتطلب قدرًا من التنسيق والشفافية والقدرة على استشراف التحديات قبل تحولها إلى أزمات.

وفي هذا الإطار، تبرز كتاباته حول مستقبل المنطقة باعتبارها دعوة إلى مراجعة أساليب العمل العربي، والانتقال من إدارة الأزمات بصورة منفردة إلى تبني رؤية أكثر شمولًا تربط السياسة بالاقتصاد والأمن والتنمية.

«ومضات على الطريق».. مشروع فكري يقرأ تحديات المستقبل

تقدم سلسلة «ومضات على الطريق» مدخلًا مهمًا لفهم هذا الجانب من فكر الشرفاء الحمادي، فقد تناولت أجزاء منها قضايا التشرذم العربي، وأحوال المنطقة، والتحديات التي تواجه الدول والشعوب، إلى جانب القضايا المرتبطة بتصويب الخطاب الإسلامي.

ويشير تحليل نشره مركز رع للدراسات الاستراتيجية إلى أن الجزأين الأول والثاني من السلسلة ركزا على أزمة التشرذم العربي، من خلال طرح دراسات ومشروعات وحلول تتصل بمستقبل الأمة، بينما تناولت أجزاء أخرى أزمة الخطاب الديني. ويكشف هذا التنوع عن اتساع الموضوعات التي انشغل بها المشروع الفكري للمؤلف.

وتكمن أهمية هذا المسار في أنه لا يعزل القضايا الفكرية عن التحديات السياسية والاقتصادية، بل يضعها ضمن صورة أوسع تتعلق بقدرة المجتمعات على بناء وعي يساعدها على فهم واقعها، ومناقشة مشكلاتها، والبحث عن حلول عملية لها.

من تشخيص الأزمات إلى بناء رؤية للمستقبل

إن قراءة هذا الجانب من فكر علي محمد الشرفاء الحمادي تكشف عن اهتمام يتجاوز تناول المشكلات القائمة إلى محاولة طرح تصورات للتعامل معها، خصوصًا فيما يتعلق بالتكامل الاقتصادي والأمن العربي وتطوير العلاقات بين الدول.

وقد تختلف الآراء حول بعض المقترحات أو آليات تنفيذها، لكن من المهم النظر إلى الأسئلة التي يطرحها المشروع باعتبارها جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل المنطقة: كيف يمكن تحويل الموارد العربية إلى قوة اقتصادية؟ وما السبل التي تضمن حماية المصالح المشتركة؟ وكيف تصبح التنمية مشروعًا ينعكس على حياة المواطنين؟

هذه الأسئلة تمنح كتاباته بُعدًا استراتيجيًا، لأنها تربط مستقبل الدول بقدرتها على التعاون والتخطيط والاستثمار في الإنسان، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع النتائج بعد وقوع الأزمات.

وفي النهاية، يقدم هذا الجانب من مشروع المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي صورة مختلفة عن اهتماماته الفكرية، حيث ينتقل من قضايا إصلاح الوعي إلى ملفات بناء الدولة واستعادة العمل العربي المشترك. وتبقى الفكرة الأبرز في هذا المسار أن قوة الأوطان لا تنفصل عن قوة مجتمعاتها، وأن مستقبل العالم العربي يحتاج إلى رؤية تجمع بين الأمن والاقتصاد والتنمية، وتضع مصالح الشعوب في صدارة الأولويات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى