مقالات

علاء عبدالله يكتب: بين حرية الإيمان وخطورة خطاب التكفير

يطرح المفكر العربي الدكتور محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “الحكم لله وحده” قضية شديدة الحساسية تتعلق بحدود سلطة الإنسان في الحكم على الآخرين، وينطلق من قاعدة قرآنية واضحة مفادها أن مهمة الرسل والأنبياء تتمثل في تبليغ رسالات الله، وليس إصدار الأحكام على ما تخفيه صدور الناس أو تحديد مصيرهم الإيماني، ومن هنا يفتح المقال بابًا واسعًا للنقاش حول خطورة انتقال بعض الخطابات الدينية من مساحة التذكير والهداية إلى مساحة التصنيف والإدانة وإصدار الأحكام، بما قد يضع الإنسان نفسه في موضع لا يملكه، بينما تؤكد الآيات التي يستند إليها المقال أن الحساب والفصل النهائي بين العباد من اختصاص الله وحده.

ويعتمد الشرفاء في بناء رؤيته على مجموعة من الآيات القرآنية التي يربط بينها ليؤكد أن الرسالة الدينية في جوهرها تقوم على البلاغ، وأن الإنسان مسؤول عن أفعاله وسلوكه، لكنه ليس صاحب السلطة المطلقة في الحكم على نيات الآخرين، وهذه النقطة تمثل جوهر المقال إذ لا يكتفي الكاتب برفض خطاب التكفير والكراهية، وإنما يلفت إلى خطورة أن تتحول الفتوى إلى وسيلة لإطلاق أحكام تتجاوز النص القرآني أو تنسب إلى الدين ما لم يرد فيه، مؤكدًا أن التعامل مع النصوص الدينية يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية والخشية من الله.

ومن أبرز الأفكار التي يتوقف عندها المقال قضية العلاقة مع أتباع الديانات الأخرى، حيث يؤكد الكاتب أن القرآن يدعو إلى التعامل بالحسنى، ويرفض تحويل الاختلاف الديني إلى مبرر للكراهية أو العداء، كما يربط بين الإيمان بالرسل جميعًا وبين مفهوم الإسلام الذي يطرحه من خلال الآيات التي استشهد بها، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الإيمان بالأنبياء السابقين جزء من التصور القرآني للإيمان، وأن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يتحول إلى وقود للصراع المجتمعي أو خطاب يحرض على الكراهية.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة لأنها تتجاوز حدود النقاش الديني النظري إلى واقع اجتماعي يعيش فيه أبناء الوطن الواحد جنبًا إلى جنب رغم اختلاف معتقداتهم وتقاليدهم، فالمقال يضع مفهوم المواطنة والشراكة المجتمعية في مواجهة خطاب الإقصاء ويرى أن احترام الآخر لا يعني التخلي عن القناعة الدينية، وإنما يعني الالتزام بالأخلاق التي يضعها القرآن في التعامل مع الناس، وفي هذا السياق، يصبح الاستشهاد بآيات مثل «وقولوا للناس حسنا» و«يقولوا التي هي أحسن» رسالة مباشرة إلى ضرورة ضبط الخطاب، خصوصًا عندما يكون صادرًا عن شخص يتحدث باسم الدين.

كما يلفت المقال الانتباه إلى مفارقة مهمة؛ فالشخص الذي يدعو إلى الالتزام بالدين ثم يمارس خطاب الكراهية أو يتعمد تشويه الآخرين يدخل في تناقض بين ما يقوله وما يمارسه، ولذلك لا يناقش الشرفاء مفهوم الإسلام باعتباره مجرد انتماء لفظي بل يربطه بالأخلاق والسلوك والصفات التي يطالب بها القرآن، ومن هذه الزاوية يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا يقول الإنسان عن نفسه؟ وإنما: هل تعكس أفعاله القيم التي يدعو إليها الدين؟.

ويحمل النص كذلك رسالة تحذير إلى من يستخدمون الخطاب الديني لإصدار أحكام قاطعة على الناس، إذ يذكر الكاتب بأن الحساب النهائي ليس بيد المفتي ولا الشيخ ولا صاحب المنبر، وإنما أمام الله سبحانه وتعالى، ويستند في ذلك إلى تصوير قرآني لمشهد الندم يوم الحساب ليؤكد أن خطورة الكلمة الدينية لا تنتهي بانتهاء الحديث، وأن من يتصدر لإصدار الأحكام يحتاج قبل ذلك إلى إدراك مسؤولية ما ينسبه إلى الله.

ومن اللافت في المقال أن قضية “الحكم لله وحده” لا تطرح باعتبارها مجرد عنوان ديني، بل باعتبارها دعوة إلى إعادة ضبط العلاقة بين النص المقدس والخطاب البشري، فالكاتب يضع فارقًا واضحًا بين القرآن باعتباره مرجعية دينية، وبين التأويلات والاجتهادات البشرية التي قد تصيب وقد تخطئ، وهذه النقطة تفتح مساحة للتفكير في ضرورة عدم التعامل مع رأي أي شخص باعتباره حكمًا إلهيًا نهائيًا خاصة عندما يتعلق الأمر بإيمان الناس ونواياهم ومصائرهم.

وفي قراءة أوسع، يمكن النظر إلى المقال باعتباره مواجهة فكرية مع ظاهرة توظيف الدين في صناعة الخصومة حيث يصبح الاختلاف سببًا للتصنيف بدل أن يكون مساحة للحوار، ويقدم الكاتب في المقابل تصورًا يقوم على الرحمة وحسن القول واحترام الإنسان مع التأكيد على أن الاختلاف في العقيدة لا يبرر الاعتداء على الكرامة الإنسانية أو نشر الكراهية داخل المجتمع.

في النهاية، يترك المقال القارئ أمام سؤال جوهري يتجاوز الأشخاص والتيارات والفتاوى: هل وظيفة الخطاب الديني أن يقرب الإنسان من القيم التي يدعو إليها القرآن، أم أن يتحول إلى أداة لتوزيع صكوك الإيمان والكفر؟ ومن خلال الآيات التي يستند إليها، يقدم علي محمد الشرفاء الحمادي رؤيته بأن الحكم النهائي على العباد ليس مهمة بشرية، وأن مسؤولية الإنسان تبدأ من إصلاح نفسه والالتزام بالأخلاق التي يؤمن بها، بدل الانشغال بإدانة الآخرين، وهي رسالة تجعل عنوان المقال “الحكم لله وحده” ليس مجرد عبارة وإنما قاعدة تستدعي مراجعة الكثير من أشكال الخطاب الديني الذي يتعامل مع أحكام البشر وكأنها أحكام لا تقبل النقاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى