مقالات

علاء عبدالله يكتب: القرآن دستور الإسلام.. قراءة في دعوة علي محمد الشرفاء للعودة إلى كتاب الله

يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في كتابه “الله نزّل أحسن الحديث” نقاشًا فكريًا حول المرجعية التي ينبغي أن يستند إليها المسلم في فهم دينه، مؤكدًا أن القرآن الكريم هو دستور الإسلام والمرجع الذي أنزل الله هداية للناس، وتنطلق رؤيته من التأكيد على أن اكتمال الدين يقتضي التعامل مع القرآن باعتباره المصدر الأساسي للهداية والتشريع والقيم، وهي الفكرة التي تشكل محورًا رئيسيًا في الطرح الذي يقدمه الكتاب خاصة في ظل ما يراه المؤلف من تعدد المرجعيات البشرية وتضاربها عبر العصور.

ويركز الشرفاء الحمادي على مجموعة من الآيات التي تصف القرآن بأنه “أحسن الحديث” مستندًا إليها في التأكيد على مكانة كلام الله وضرورة تدبره وفهم مقاصده، ومن خلال هذا المنطلق ينتقل النقاش من مجرد تفضيل مصدر على آخر إلى قضية أوسع تتعلق بكيفية تشكل الوعي الديني لدى المسلمين ومدى قدرتهم على التمييز بين النص القرآني وبين ما تراكم حوله من تفسيرات ومرويات واجتهادات بشرية، فالكتاب يدعو إلى ألا تتحول اجتهادات البشر إلى مرجعيات مقدسة تنافس النص الإلهي أو تحل محله.

ومن أبرز القضايا التي يثيرها الكتاب العلاقة بين القرآن والمرويات المنسوبة إلى السنة، حيث يقدم الشرفاء الحمادي موقفًا نقديًا حادًا تجاه الروايات التي يرى أنها تتعارض مع المبادئ القرآنية خاصة عندما تؤدي إلى تكريس العنف أو الفرقة أو خطاب الكراهية، وهنا تظهر القضية باعتبارها خلافًا حول المنهج في قراءة الدين إذ يرى المؤلف أن أي رواية أو تفسير ينبغي ألا يؤدي إلى تقديم صورة تناقض ما يقرره القرآن من عدل ورحمة وسلام وتعاون بين الناس.

ويحضر مفهوم الفرقة الدينية بقوة في هذا الطرح، فالكتاب يربط بين تعدد المرجعيات البشرية وبين حالة الانقسام التي شهدها المسلمون عبر التاريخ، ووفق الرؤية التي يعرضها النص، فإن تحول الآراء والاجتهادات إلى مرجعيات متنافسة أدى في بعض الحالات إلى نشوء جماعات وفرق يرى كل منها أنه يمتلك الحقيقة الكاملة الأمر الذي عمق الخلافات وأضعف مساحة الحوار، ومن هنا تأتي الدعوة إلى العودة للقرآن باعتبارها محاولة لاستعادة وحدة المرجعية بدل استمرار الصراع حول المرجعيات البشرية.

كما يطرح الشرفاء الحمادي مسألة مهمة تتعلق بعلاقة كل عصر بتراث العصور السابقة، فهو يرى أن المسلمين في كل زمن مطالبون بتدبر القرآن وفهم آياته في ضوء احتياجات واقعهم بدل التعامل مع أفكار السابقين باعتبارها أحكامًا نهائية لا تقبل المراجعة، ويستند في ذلك إلى الآيات التي تؤكد مسؤولية كل أمة عما كسبت بما يفتح الباب أمام قراءة تجعل الإنسان مسؤولًا عن اختياراته وفهمه، لا مجرد تابع لما ورثه عن السابقين.

وهذه النقطة تحديدًا تمنح الكتاب بعدًا إصلاحيًا واضحًا، لأنه لا يدعو فقط إلى قراءة القرآن، وإنما إلى الانتقال من القراءة الشكلية إلى التدبر والبحث عن مقاصد الآيات، فالقرآن في الرؤية التي يقدمها الشرفاء الحمادي ليس كتابًا للقراءة دون فهم، وإنما مصدر للهداية التي تنظم علاقة الإنسان بربه وبالمجتمع والحياة، ولذلك يربط بين العودة إلى القرآن وبين بناء حياة تقوم على الأمن والاستقرار والتعاون والرحمة والعدل والإحسان.

ويبرز في النص كذلك تصور واضح للنتائج الاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن فهم الدين من خلال قيمه الأساسية؛ فالإيمان لا ينفصل عن مساعدة الفقراء والمحتاجين، نصرة المظلوم، الرفق بالضعفاء، والتعاون على البر والتقوى، وبهذا المعنى تصبح المرجعية الدينية مرتبطة بسلوك الإنسان في المجتمع وليس فقط بما يردده من أفكار أو شعارات، فالهدف النهائي من الهداية هو الوصول إلى حياة طيبة يسودها العدل والتكافل والسلام.

ويكشف هذا الطرح عن محور أساسي في فكر علي محمد الشرفاء الحمادي، وهو إعادة بناء العلاقة بين المسلم والقرآن على أساس التدبر والمسؤولية الفردية، فالكتاب يحاول دفع القارئ إلى مراجعة المسلمات الموروثة والعودة إلى النص القرآني لاكتشاف ما يحمله من مبادئ تتعلق بالحرية والعدل والرحمة ورفض العدوان والفساد، وهذه الدعوة في جوهرها تتجاوز الخلاف حول المرويات إلى سؤال أكبر: كيف يمكن أن يتحول القرآن من نص يتلى إلى مرجعية حاضرة في سلوك الإنسان وحياته؟

وفي النهاية، يقدم كتاب “الله نزّل أحسن الحديث” رؤية فكرية تقوم على أن إصلاح الخطاب الديني يبدأ من إصلاح المرجعية التي يستند إليها، وأن العودة إلى القرآن ليست مجرد دعوة إلى كثرة التلاوة وإنما إلى التدبر والفهم واستنباط مقاصد الآيات، ومن خلال هذا التصور.يضع الشرفاء الحمادي أمام القارئ مشروعًا لإعادة قراءة الدين من زاوية القيم التي يؤكد عليها القرآن، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والسلام والتعاون والإحسان لتصبح رسالة الإسلام وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع لا سببًا للفرقة أو الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى