مقالات

علي الشرفاء الحمادي يكتب: دولة المسلمين بين الحق والباطل (2 – 2)

فلينظِر المُسلِمُون ما تقوم به بعض الجماعات المتطرفة التي تتخذ من الإسلام غطاءً لتبرير العنف، مثل (داعش والقاعدة والإخوان وغيرهم)، مما استجد وهي ممارسات لا تمُتُّ إلى مقاصد الشريعة وتعاليم الإسلام بصلة، وما يقوم مُنتسبُوها من سفك الدماء وتشريد النَّاس من أوطانهم، وخلق الخوف والفزع في المجتمعات الإنسانية بتفجير القنابل في أجساد الآمنين، ثمَّ تليها القاعدة والإخوان والتكفيريون وغيرهم من أتباع الشيطان الذين يستمتعون بقتل الأطفال واستباحة حَقِّ الحياة للنساء وقتل الأبرياء، هل ما يقوم به أولئك الضَّالُون هي مبادئ الإسلام التي تدعو للرحمة والعدل والحرية والسلام والإحسان، وتحريم قتل الإنسان واستباحة حقوقِه وتشريده من وطنه؟

‎فكم استُخدمَ الإسلام في قضايا سياسية! ورأينا حجمَ الدماء التي أُسِيلَت حتى اليوم، من قطع رقاب الأبرياء وتعذيب الآمنين الذي لم يتوقف حتى اليوم، وهم يَحملون شعار (الله أكبر) علمًا بأنهم لو كانوا مسلمين لم يُفسدوا في الأرض ولم يعتدوا على النَّاس، ولم يُدمِّرُوا أوطانَهم ومدُّوا أيديهم للمشركين وأعداء السلام والحرية يشاركون أعداءَ الله وأعداءَ الوطن في تدمير بلدانهم وتشريد أهاليهم، فكل نظام سياسي خلافة كانت أو جمهورية أو ملكية اتخذت الإسلام شعارًا، فليتذكر النَّاسُ جرائمَ من سبقهم وما ارتكبوه باسم الإسلام من بغي وعدوان وطغيان وقتل الإنسان الذي حرَّمه اللهُ بين النَّاس.

‎وليعلم النَّاسُ أن دعوة الله برسالاته يحملها رسلُه وأنبياؤه كانت دعوة للإنسان ذكرًا أو أنثى دعوة للإنسان في كل مكان وزمان ليحيا حياة مطمئنة في أمن وسلام، ولم تكن دعوة لإنشاء دولٍ إسلامية أو جمهوريات إسلامية أو مملكة إسلامية، فكفى بالنَّاس خِداعًا استمر أكثر من أربعة عشر قرنًا، فليس في رسالة الإسلام كَهَنة أو أحْبَار أو شيوخ دين، إنَّما هي علاقة مع الله مباشرة بين الإنسان وربه، ليس بها وسيط أو سِمسَار، كما قال قال الله سُبحانه مُخاطبًا رسولَه الأمين: (وإذا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فلْيَسْتَجِيبُوا لِي وليُؤمِنُوا بِي لعلَّهُم يَرشُدُون) (البقرة: 186)، دعوة الله للناس جميعًا كما جاء في خطاب التكليف الإلهي للرسول وشرط الإستجابة للدعاء عند الله كما جاء في الآية المذكورة أعلاه، فالله يستجيب لدعاء الإنسان إذا آمن بالله إيمانًا صادقًا وملتزمًا بشرعة الله ومِنهَاجِه ومُطبِّقًا إياهم في حياته، فالله يستجيب لدعاء الإنسان كما أوْفَى بطاعة الله فالله سبحانه سيَفِي بالإستجابة لدعائه كما قال أيضًا لتأكيد المضمون المذكور أعلاه في قول الله سبحانه: (إنْ تنصُرُوا اللهَ ينصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أقدَامَكُم) (محمد: 7)، فنصرُ الله هو إعلاء كلمة الله في الأرض وطاعته في كل ما أمر الإنسان في الآيات القرآنية، فبذلك ينصر اللهَ واللهُ سينصرُه وعدًا مُقدَّسًا من ربِّ العالمين.

‎لقد خدعت تلك الأنظمة في الماضي والحاضر المسلمين بتوظيفهم شعار الإسلام في خدمة طموحاتهم السياسية وأطماعهم الدنيوية، واتَّبعوا الشيطان فسوَّل لهم أعمالهم، ليرتكبوا الجرائم ضد الإنسان بما ظلموا وسفكوا من دماء الأبرياء وشرَّدوا النَّاسَ من أوطانهم، بالرغم من أن الله سبحانه حذرهم من ذلك بقوله (وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُم لا تسْفِكُونَ دِمَاءَكم ولا تُخرِجُونَ أنفسَكُم مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أقْرَرْتُم وَأنتُمْ تَشْهَدُون) (البقرة:84).

‎ويوم القيامة عند الحساب يُحذِّر اللهُ الناسَ من مشهد عظيم سَتَنكَشِفُ سوءَاتُهم وتتبين خطاياهُم وسَيُحاسَبُ المُجرِمُون على جرائمهم كما قال الله سبحانه: (أفلَا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُور. وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور. إنَّ رَبَّهُم بِهِم يَوْمَئِذٍ لَخَبِير) (العاديات: 9-11).

‎ثم يُصورُ القرآنُ مشهدَ يوم القيامة ليتَّعظَ من خالفَ أمر الله ولم يطع آياتِه في قرآنه، حيث يقول سُبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلكَ يَوْمُ الوَعِيد. وجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سَائِقٌ وَشَهِيد) (ق: 20-21)،وجاء النَّبأ الإلهِي في قولِ الله سُبحَانه: (وَيوْمَ يَعَضُّ الظَالِمُ على يَديْهِ يَقُولُ يا ليْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَا وَيْلَتَي ليْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا. لقَدْ أضَلَّنِي عَن الذِّكْر بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَيْطَانُ للإنْسَانِ خَذُولًا) (الفرقان:27-29).

‎سيقف الظالمون يومئذ نادِمين فلن ينفعَهم علماؤهم وشيوخُ الدِّين فسيقضِي اللهُ بحكمه العادل حين تفتح أبواب جهنم ليواجه الظالمون ما ارتكبوه من السيئات، كما عرض القرآن ذلك المشهد العظيم يوم الحساب بقوله سبحَانُه: (وسِيقَ الذين كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حتى إذا جَاؤوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقال لهم خَزَنَتُها ألمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم يَتْلُونَ عَليْكُم آيَاتِ رَبِّكم وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُم هَذا قَالُوا بَلَى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِين) (الزمر: 71)، فظهر الحق وزهَقَ الباطلُ واعترف الظالمون بذنوبِهم وأقرُّوا بحكمِ الله عليهم فخَسِروا الدنيا والآخرة.

‎لذلك من الظلم والإجحاف في حق الله إتخاذ شعار الإسلام وسيلة لتسمية الدول أو المؤسسات الإقتصادية أو المؤتمرات، لأنَّ تسمية الإسلام مقصورة على شريعة الله وحده الذي بلَّغ النَّاسَ بلسان رسولِه بقولِه: (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلام) (آل عمران؛19)، فالإسلام دين شرَّعه الله سبحانه للنَّاس جميعًا فلا يجوز لأي دولة أو طائفة أو حزب توظيف الإسلام أو بنك أو أي مؤسسة مالية في خدمة المصالح الدنيوية الأنانية، فالإسلام هو حقٌ إلهيٌ مُطلَق لا يُسمَح لأي كان استخدامُه في تحقيق أهدافه الدنيوية، ورسالة سامية للبشرية تقودُ الإنسانَ إلى طريق الخير والطمأنينة والسلام وتُحقِّقُ له الأمن والاستقرار والحياة الطيبة.

‎ولابد من إعادة النظر بإصدار قانون يمنع منعًا باتًا استخدام كلمة (الإسلام) للأغراض السياسية والإقتصادية، بل يتطلب التعظيم والتكريم والإجلال لله الواحد الأحد الذي أرسل الرُّسلَ والأنبياء برسالة الإسلام ليدعوا النَّاسَ إلى طريق الحقِّ المستقيم الذي يقِيهم شقاءَ الدنيا ويُحصِّنُهم في الآخرة من نار الجحيم، ومن يتمَادى في تسخير الإسلام لمصالحه السياسية والإقتصادية، فليرتقب من الله غضبًا، وأعدَّ له يومَ القيامة عذابًا أليمًا، وخسِر الدنيا والآخرة.

‎إنَّ بدعة اسم الله الأعظم يندرج ضمن الأكاذيب الكثيرة وما نقلته الروايات المُزوَّرة والأساطيرُ الخرافية لخداع الناس بالأكاذيب، فقد عَرَّفَ اللهُ سبحانه نفسَه بقولِه: (هُو اللهُ الذي لا إلهَ إلا هُو عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم. هُوَ اللهُ الذِي لا إلهَ إلا هُو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّار المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُون. هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَه مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم) أواخر سورة الحشر، ثمَّ يؤكِّد سُبحانَه في قولِه: (قُلْ أُدْعُوا اللهَ أوِ أُدْعُوا الرحْمنَ أيًا ما تدعُوا فلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى) (الإسراء: 110).

‎تلك الآيات تفنِّدُ كذِبَ الروايات والمقولات الأسطورية حول ما يسمى (إسم الله الأعظم) يُخادعُون به النَّاسَ الجُهَّال فمثل ما كذبوا على الرسول عليه الصلاة والسلام وزوَّروا روايات الباطل والبُهتان التي خلقت الفتنة ومزَّقت المسلمين بين فرق متناحرة متصارعة منذ أربعة عشر قرنًا حتى اليوم افتروا على الله بأن له إسمٌ أعظم؟؟؟ والله سبحانه يفضحهم ويُكذِّبهم على بدعة الإسم الأعظم حين يخاطب الرَّسُولَ عليه السلام ليبلِّغ الناس ويبين لهم أنَّهم يفترون على الله بقوله سُبحانه: (قُلْ أُدْعُوا اللهَ أوِ أُدْعُوا الرحْمنَ أيًا مَا تَدْعُوا فلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقد وقع الكثير من الدعاة في تأويلات لا تتفق مع دلالة القرآن الدقيقة في شروط استجابة الدعاء، ومن ذلك الاعتقاد أن مجرد ذكر الصلاة على النبي تمحِي الذنوب أو الدعاء بأسماء الله الحسنى تضمن الإستجابة دون الالتزام بالشروط القرآنية، بينما الإستجابة مُرتبطة بطاعة الله في تحريمه ونهيه واتباع مِنهَاجِه وتشريعاته بالتمام والكمال دون نقصَان، عندها يستجيب الله لعباده الذين صدَّقُوه، والله وضع شرطًا لكي يستجيبَ دعاءَ الإنسان في قولِه سُبحانه مُخاطِبًا رسولَه ليبيِّنَ للنَّاسِ شروطَ الإستجابة: (وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ) (البقرة: 186)، فمتى يستجيبُ اللهُ للداعِي، إذا اتَّبعَ الشرطَ الذي وضعه اللهُ للإستجابة: (فلْيَسْتجِيبُوا لِي وليُؤمِنُوا بِي لعلَّهُم يَرْشُدُون) (البقرة: 186)، فإذا تحقَّقَ الشرط واتبع الدَّاعِي ما أمَره الله بالاستجابة إلى كافة ما وردَ في الآيات القُرآنية، وآمنوا بالله إيمانًا صادقًا وأطاعُوا اللهَ ورَسُولَه فيما بلَّغهُم عن رَبِّه من آيات الذكر الحكيم تتحقَّقُ الإستجابةُ الإلهية للدَّاعِي.

‎لذلك ليَكُن كتابُ الله هو المرجعية الوحيدة لرسالة الإسلام وهو الفيْصَل في تلك الروايات والتحريف في رسالة الإسلام، رسَالة الرحمَة والعدل والحرية ودعوة لإحترام العقل، وليَرْجعْ لكتابِ الله ليهديَهُ إلى طريق الحقِّ والخير والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى