علاء عبدالله يكتب: من مسابقة إلى مشروع وعي.. كيف يعبر فكر علي محمد الشرفاء الحمادي إلى المؤسسات التعليمية في إندونيسيا؟
تكشف الندوة التي استضافها معهد السعيدية الديني في إندونيسيا عن تطور لافت في مسار الحضور الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، فالمشهد لم يعد مقتصرًا على التعريف بمؤلفاته أو تنظيم مسابقة ثقافية، وإنما بدأ يأخذ شكلًا أكثر اتساعًا يتمثل في التواصل المباشر مع المؤسسات الدينية والتعليمية وفتح نقاش حول كيفية تحويل القيم القرآنية إلى ممارسة وسلوك يومي.
واللافت في التجربة الإندونيسية أن مسابقة المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي لفهم وتدبر القرآن الكريم استطاعت جذب مشاركة تجاوزت سبعين معهدًا دينيًا إلى جانب عدد من الجامعات، وهو ما منحها مساحة تتجاوز فكرة المنافسة بين الطلاب، فالمسابقة أصبحت مدخلًا للقراءة والبحث والاطلاع على المؤلفات، وبالتالي وسيلة لطرح أسئلة تتعلق بفهم القرآن والقيم التي يمكن استلهامها في بناء الإنسان والمجتمع.
هذه النقطة تحديدًا تبدو الأكثر أهمية؛ لأن أي مشروع فكري لا تقاس قدرته على التأثير بعدد الكتب التي توزع أو الندوات التي تعقد، وإنما بقدرته على تحريك الأسئلة داخل المجتمع وتحويل القراءة إلى نقاش، والنقاش إلى وعي، والوعي إلى سلوك، ومن هذه الزاوية، فإن انتقال الاهتمام من المسابقة إلى دعوة مؤسسة تعليمية ودينية لعقد لقاء مباشر يمثل تطورًا طبيعيًا في مسار التواصل الفكري.
كما تضيف طبيعة معهد السعيدية بعدًا خاصًا للمشهد، فهو معهد ديني مخصص للفتيات ويضم أكثر من 700 طالبة، ويعتمد نظام التعليم الداخلي، بما يجعل البيئة التعليمية فيه قائمة على منظومة متكاملة تجمع بين الدراسة والحياة اليومية والانضباط، وبالتالي فإن الحديث عن القيم لا يبقى داخل الفصل الدراسي، بل يمكن أن يتحول إلى ممارسة مستمرة يراها الطلاب ويعيشونها.
وهنا تبرز العبارة التي نقلها النص عن شيخ المعهد: “نحن صورة الإسلام ولا بد أن نكون الإسلام واقعا وليس في الكتب فقط”، وبغض النظر عن الاختلاف في زوايا قراءة هذه العبارة، فإنها تختصر واحدة من أهم القضايا التي يطرحها المشروع الفكري محل النقاش، وهي الفارق بين المعرفة بالقيم وبين تجسيدها في السلوك. فالحديث عن السلام والتسامح والعدل والأخوة الإنسانية يكتسب معناه الحقيقي عندما يتحول من مفاهيم نظرية إلى طريقة في التعامل مع الآخر وإدارة الاختلاف واحترام الإنسان.
ومن اللافت أيضًا أن الوفد رصد مستوى متميزًا لدى الطالبات في اللغة العربية، إلى جانب النظافة والنظام والانضباط. وهذه التفاصيل، وإن بدت للوهلة الأولى بعيدة عن موضوع الفكر القرآني، فإنها في الحقيقة تكشف عن مفهوم أوسع للتربية؛ فالتعليم الديني عندما ينجح في بناء السلوك والانضباط والاهتمام بالآخر والبيئة المحيطة، فإنه ينتقل من مرحلة تلقين المعلومات إلى مرحلة بناء الشخصية.
ويأتي هذا اللقاء أيضًا في سياق مسار سابق من التواصل بين مؤسسة رسالة السلام العالمية والمؤسسات الإندونيسية، إذ يشير النص إلى زيارة وفد المؤسسة لمدينة مالانج في أبريل الماضي، والتي أسهمت في فتح مجالات جديدة للتعاون، وهو ما يعني أن الندوة الأخيرة ليست حدثًا منفصلًا بل حلقة ضمن مسار يسعى إلى توسيع دائرة الحوار والتعاون العلمي والثقافي.
والأهم أن الدعوة التي وجهتها إدارة المعهد لتكرار الزيارة وطلب الدعم والاستشارات المرتبطة بالمناهج الدراسية تكشف عن انتقال العلاقة من التعريف بالفكر إلى محاولة الاستفادة منه في المجال التعليمي، وهذه خطوة أكثر دلالة من مجرد حضور فعالية أو تبادل مؤلفات، لأنها تضع الأفكار أمام اختبار عملي: كيف يمكن للقيم التي يتم الحديث عنها أن تنعكس على العملية التعليمية وعلى تكوين الطالب؟
كما يحمل المشهد دلالة أخرى تتعلق بدور المؤسسات التعليمية والدينية في مواجهة الأفكار المتطرفة، فمواجهة التطرف لا تبدأ دائمًا من المواجهة المباشرة، وإنما يمكن أن تبدأ من بناء عقل قادر على القراءة والتدبر والنقاش، وعلى فهم النصوص بعيدًا عن التلقين والاستقطاب، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على البحث والاطلاع والحوار باعتبارها أدوات تساعد الشباب على تكوين رؤية أكثر اتزانًا.
وإذا كانت المسابقة قد دفعت الطلاب والمؤسسات إلى البحث في مؤلفات الشرفاء الحمادي، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على خلق حالة من التفاعل الفكري المستمر، فالمسابقة تنتهي بإعلان النتائج، لكن الأسئلة التي تثيرها يمكن أن تستمر، والكتب التي يتعرف إليها المشاركون يمكن أن تفتح أبوابًا جديدة للقراءة والنقاش.
وتكشف التجربة الإندونيسية كذلك عن أهمية التواصل الثقافي العابر للحدود، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا إنسانية مشتركة مثل السلام والتعايش والاعتدال، فاختلاف المجتمعات والثقافات لا يعني غياب القيم المشتركة بل ربما يجعل الحوار أكثر أهمية، لأنه يتيح اكتشاف المساحات التي يمكن أن يلتقي عندها الناس رغم اختلاف بيئاتهم.
وفي المحصلة، فإن المشهد الذي يقدمه النص يتجاوز حدود ندوة أقيمت داخل معهد ديني في إندونيسيا، ليطرح سؤالًا أكبر حول قدرة الفكر على الانتقال من الكتب إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى المجتمع، ومن الأفكار إلى السلوك، وإذا كانت الدعوة إلى العودة إلى القرآن وتدبره هي إحدى ركائز المشروع الفكري الذي جرى التعريف به، فإن التجربة التي شهدها معهد السعيدية تقدم نموذجًا عمليًا لفكرة أن القيمة الحقيقية لأي خطاب إصلاحي تظهر عندما يصبح جزءًا من الحياة اليومية.
وهنا تحديدًا يمكن فهم أهمية استمرار التواصل بين مؤسسة رسالة السلام العالمية والمؤسسات التعليمية والدينية في إندونيسيا؛ فنجاح أي مشروع فكري لا يتحقق فقط بانتشاره الجغرافي، وإنما بقدرته على خلق حوار حقيقي، وتحفيز البحث، وتشجيع القراءة، وربط المعرفة بالسلوك، ومن هذه الزاوية تبدو مسابقة الشرفاء الحمادي بداية لمسار أوسع، قد تتسع دائرته خلال الفترة المقبلة ليشمل مزيدًا من المؤسسات والباحثين والطلاب، ويجعل من الحوار حول القيم القرآنية والإنسانية مساحة مشتركة للتعاون الثقافي والفكري.



