مقالات

علاء عبدالله يكتب: حين تلتقي قامات القانون مع الفكر الإصلاحي.. رسائل تتجاوز حدود الاحتفاء بالكتب

لا يبدو اللقاء الذي جمع الأستاذ إسماعيل عيد عضو مجلس أمناء مؤسسة رسالة السلام العالمية بالقاهرة، بالمستشار الدكتور عبد الرازق شعيب رئيس هيئة قضايا الدولة السابق، مجرد لقاء عابر على هامش احتفال باليوبيل الفضي لإحدى المجموعات القانونية، وإنما يحمل في مضمونه دلالة أوسع تتعلق بدور الفكر في مواجهة التحديات التي يعيشها المجتمع، وبأهمية فتح مساحات للحوار بين رجال القانون والمفكرين والمؤسسات المعنية ببناء الوعي.

فالاحتفال باليوبيل الفضي لمجموعة بحر للأنظمة القانونية تحول إلى مناسبة جمعت نخبة من رجال القضاء والقانون والشخصيات العامة، لكنه في الوقت ذاته أتاح نقاشًا حول قضايا تتجاوز الإطار القانوني المباشر لتلامس مفاهيم أكثر اتساعًا مثل العدالة والرحمة والحرية والسلام، وهي قيم ترتبط بشكل وثيق باستقرار المجتمعات وقدرتها على مواجهة مظاهر التعصب والتطرف والانقسام.

وتبرز أهمية اللقاء كذلك في طبيعة المؤلفات التي جرى تقديمها للمستشار الدكتور عبد الرازق شعيب، والتي تناولت قضايا دينية واجتماعية وإنسانية شديدة الحساسية، من بينها العلاقة بين العقيدة، وقضية الطلاق، ومفهوم الإسلام باعتباره رسالة تقوم على الرحمة والعدل والحرية والسلام، وتكشف هذه العناوين عن مشروع فكري يسعى إلى مناقشة قضايا حاضرة بقوة في حياة الإنسان والمجتمع وليس الاكتفاء بتناولها في إطار نظري مجرد.

ومن اللافت أن الإشادة بالمؤلفات جاءت من شخصية قانونية لها حضور وخبرة في المجال القضائي وهو ما يمنح هذا التفاعل بعدًا مهمًا؛ إذ إن القضايا التي تتناولها الكتب ليست منفصلة عن الواقع الاجتماعي والقانوني، بل ترتبط بشكل مباشر بمشكلات الأسرة، وحقوق الإنسان، وقيم العدالة، وطبيعة العلاقة بين أفراد المجتمع.

كما أن حديث المستشار عبد الرازق شعيب عن ضرورة نشر الفكر الداعي إلى الرحمة والعدل والحرية والسلام يعكس إدراكًا لأهمية المواجهة الفكرية في التعامل مع التحديات المتزايدة، فالتطرف والتعصب لا يمكن مواجهتهما فقط بالإجراءات القانونية، مهما كانت أهميتها، وإنما تحتاج المجتمعات أيضًا إلى بناء وعي قادر على التمييز بين الفكرة الصحيحة والخطاب الذي يستغل الدين أو المشاعر لإنتاج الكراهية والانقسام.

وفي هذا السياق، يأتي نشاط مؤسسة رسالة السلام العالمية بالقاهرة بوصفه محاولة لخلق مساحة للتواصل مع شخصيات ومؤسسات من مجالات مختلفة، انطلاقًا من فكرة أن نشر ثقافة السلام لا ينبغي أن يظل محصورًا في إطار محدد، وإنما يحتاج إلى تفاعل مستمر مع المؤسسات القانونية والثقافية والمجتمعية والإعلامية.

وتكشف واقعة إهداء المؤلفات عن جانب آخر مهم، هو أن الكتاب يمكن أن يكون وسيلة للحوار وليس مجرد منتج ثقافي، فعندما تنتقل الأفكار من صفحات الكتب إلى دوائر النقاش بين المتخصصين وأصحاب الخبرات، فإنها تصبح جزءًا من حوار مجتمعي أوسع، وقد تفتح الباب أمام قراءة جديدة لقضايا اعتاد المجتمع التعامل معها من زوايا تقليدية.

والرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذا اللقاء تتمثل في أن بناء السلام يبدأ من بناء الإنسان، وأن ترسيخ قيم العدل والرحمة والحرية يحتاج إلى وعي مستمر يتجاوز الشعارات إلى الأفكار والممارسات، كما أن مواجهة الغلو والتعصب تتطلب خطابًا قادرًا على تقديم بدائل فكرية تقوم على احترام الإنسان وحقوقه، وتدعم الحوار بدلًا من الصدام.

ومن هنا، فإن أهمية هذا اللقاء لا تتوقف عند الإشادة بعدد من المؤلفات أو تبادل وجهات النظر بين شخصيتين، وإنما تكمن في النموذج الذي يقدمه للتواصل بين الفكر والقانون والمجتمع. فالقانون يحمي الحقوق وينظم العلاقات، بينما يسهم الفكر في تشكيل الوعي الذي يجعل احترام تلك الحقوق قيمة راسخة في وجدان المجتمع.

وفي النهاية، يبدو أن الاحتفاء باليوبيل الفضي لمجموعة بحر للأنظمة القانونية أتاح مساحة تتجاوز الاحتفال بالمناسبة نفسها، لتصبح منصة للقاء والحوار وتبادل الأفكار، وبين حضور رجال القانون وإسهامات مؤسسة رسالة السلام العالمية، برزت قضية أساسية مفادها أن المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة أزماتها هي التي تجمع بين قوة القانون ونضج الوعي، وتمنح قيم الرحمة والعدل والحرية والسلام مكانتها الحقيقية في حياة الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى