علاء عبدالله يكتب: علي الشرفاء الحمادي يفتح ملف الروايات الدينية ويدعو إلى استعادة مكانة القرآن الكريم
يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، في مقاله “مؤامرة بني إسرائيل ضد كتاب الله.. أسرار الروايات المكذوبة والانحراف عن رسالة القرآن” ملف العلاقة بين القرآن الكريم والروايات الدينية المتوارثة، طارحًا تساؤلات حول أسباب ابتعاد قطاعات من المسلمين عن التدبر في كتاب الله، والاعتماد على روايات ومقولات يرى أنها أسهمت في تشكيل مفاهيم دينية تتعارض مع مقاصد القرآن وقيمه الإنسانية.
ويضع الشرفاء الحمادي قضية المرجعية الدينية في صدارة طرحه، مؤكدًا أن القرآن الكريم، من وجهة نظره، ينبغي أن يكون الأساس الذي تراجع في ضوئه المعتقدات والتفسيرات، وأن تكون آياته معيارًا لفهم رسالة الإسلام وما تحمله من قيم العدل والرحمة والسلام والتسامح.
وينطلق المقال من مجموعة من الآيات القرآنية التي يستند إليها الكاتب في تأكيد أهمية الاحتكام إلى الوحي، متوقفًا عند قوله تعالى: “فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ”، ليطرح رؤيته بشأن ضرورة إعادة النظر في مكانة الروايات المنقولة عبر الأجيال، وعدم التعامل معها باعتبارها نصوصًا لا تقبل النقد أو المراجعة.
ويرى الشرفاء الحمادي أن الانشغال بالروايات على حساب التدبر في القرآن أدى، بحسب تحليله، إلى نشوء مفاهيم وممارسات أبعدت المسلمين عن جوهر الرسالة الإسلامية، ودعا إلى العودة إلى الآيات القرآنية باعتبارها المرجع الذي تفهم في إطاره تعاليم الدين ومقاصده.
وتكشف هذه القضية عن إشكالية أوسع تتعلق بكيفية التعامل مع التراث الديني، والتمييز بين النص القرآني وتفسيرات البشر واجتهاداتهم، ومدى الحاجة إلى فتح المجال أمام البحث والمناقشة بدلًا من الاكتفاء بتكرار الموروث دون تمحيص.
ويتناول المقال ما يعتبره الشرفاء الحمادي تأثيرًا للروايات المنقولة والإسرائيليات في تشكيل الوعي الديني، منتقدًا ما يصفه بتضخيم مكانة بعض ناقلي الروايات، وتحويل آرائهم إلى مرجعيات يصعب الاقتراب منها بالنقد أو المراجعة.
ويربط الكاتب بين هذه الظاهرة وبين تراجع مساحة الاجتهاد والتفكير، معتبرًا أن تقديس أقوال البشر قد يحول دون مراجعة الأفكار التي تتعارض مع قيم القرآن أو تنتقص من معاني الرحمة والعدل وكرامة الإنسان.
وفي هذا السياق، يطرح المقال قضية تستحق النقاش العلمي الهادئ، وهي ضرورة إخضاع الروايات والتفسيرات للفحص والتحليل.مع التمييز بين النصوص الدينية ومناهج فهمها، والابتعاد عن الأحكام العامة التي لا تستند إلى أدلة واضحة، فمراجعة التراث لا تعني بالضرورة رفضه بالكامل، كما أن احترامه لا ينبغي أن يمنع البحث في مصادره ومضامينه.
ولا يتوقف طرح الشرفاء الحمادي عند نقد الروايات، بل يمتد إلى قضية العلم والمعرفة، مستشهدًا ببداية الوحي في سورة العلق: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” باعتبارها دلالة على أهمية القراءة والتعلم والتفكر في حياة الإنسان.
ويرى الكاتب أن الانشغال بالخلافات الدينية والصراعات المذهبية أسهم في إبعاد المسلمين عن الاهتمام بالعلم والتقدم، بينما يدعو القرآن إلى استخدام العقل واكتساب المعرفة وتسخير الإمكانات لخدمة الإنسان وتحسين ظروف حياته.
ويحمل هذا الجانب من المقال رسالة تتجاوز الجدل حول الروايات، إذ يربط بين النهضة الفكرية والقدرة على مراجعة الأفكار السائدة، وبين التقدم العلمي والحضاري الذي يحتاج إلى مجتمعات تقدر المعرفة وتشجع البحث وتمنح العقل مساحة للتفكير والإبداع.
ويطرح المقال تساؤلات حول أسباب الانقسام الديني والصراعات التي شهدتها المجتمعات الإسلامية، ويرى الشرفاء الحمادي أن الابتعاد عن القيم القرآنية أسهم في تغذية الخلافات وتحويل الاختلافات الفكرية إلى نزاعات أضرت بوحدة المجتمعات واستقرارها.
ويؤكد الكاتب أن رسالة الإسلام، كما يعرضها في مقاله، تقوم على الرحمة والعدل والحرية والتسامح والإحسان، وهي قيم يرى أنها ينبغي أن تكون أساس العلاقات بين الناس، بعيدًا عن التعصب الذي يحول الانتماء الديني إلى وسيلة للإقصاء أو الصراع.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين الاختلاف في الرأي وبين تحويله إلى خصومة، فالمجتمعات تحتاج إلى مساحات للحوار والتفاهم، وإلى خطاب ديني يعزز المسؤولية الأخلاقية ويحفظ كرامة الإنسان بدلًا من تأجيج النزاعات أو تكريس الانقسام.
ويختتم الشرفاء الحمادي طرحه بالتأكيد على ضرورة استعادة الصلة المباشرة بالقرآن الكريم، وإفساح المجال أمام التدبر والفهم والنقاش بدلًا من الاكتفاء بتلقي الأفكار دون مراجعة مصادرها أو اختبار مدى اتساقها مع القيم التي يدعو إليها الكتاب.
وتتجلى أهمية هذه الدعوة في إثارة أسئلة حول مسؤولية المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية في تشجيع التفكير النقدي، وتعريف الأجيال بآليات قراءة النصوص وتحليل الروايات مع مراعاة الدقة العلمية والتمييز بين الرأي الشخصي والحقيقة التاريخية المثبتة.
وفي المحصلة، يطرح مقال المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي قضية شديدة الارتباط بالواقع الفكري والثقافي للمجتمعات العربية والإسلامية، تتمثل في العلاقة بين النص الديني والتراث المتوارث، حدود المراجعة والاجتهاد، ودور العلم والمعرفة في بناء الإنسان.
وبينما يقدم الكاتب رؤيته الخاصة لأسباب الانحراف عن مقاصد الرسالة الإسلامية، تظل الحاجة قائمة إلى حوار علمي جاد يستند إلى الأدلة، ويتيح مناقشة الآراء المختلفة بعيدًا عن الاتهامات والتعميم، وصولًا إلى خطاب ديني يعزز قيم الرحمة والعدل والسلام، ويشجع على المعرفة والتفكير المسؤول.



