مقالات

علاء عبدالله يكتب: الهجرة إلى كتاب الله.. رسالة متجددة للعودة إلى قيم الرحمة والعدل والسلام

تتجاوز الهجرة النبوية في رؤية المفكر العربي الكبير الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي حدود الحدث التاريخي، لتصبح دعوة متجددة للتأمل في معاني الإيمان والتمسك بكتاب الله، واستلهام ما يحمله القرآن الكريم من قيم الرحمة والعدل والتسامح والسلام، فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، بل كانت خطوة مهمة في سبيل إيصال رسالة الإسلام وترسيخ مبادئها في حياة الناس.

ويقدم الشرفاء الحمادي قراءة تربط بين ذكرى الهجرة والواقع الإنساني، مؤكدًا أن الاحتفاء بهذه المناسبة لا يكتمل بالمظاهر وحدها، وإنما يتحقق باستعادة جوهر الرسالة التي حملها الرسول صلى الله عليه وسلم، والعودة إلى القرآن الكريم باعتباره مرجعًا للهداية والإصلاح، ودليلًا لبناء حياة تقوم على الاستقامة والطمأنينة والكرامة الإنسانية.

ويعرض المقال الهجرة النبوية باعتبارها محطة فارقة في مسيرة الدعوة الإسلامية، فقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم الحصار والاضطهاد بسبب دعوته إلى عبادة الله وإقامة العدل ونشر الخير بين الناس. ومع اشتداد المحنة، أصبحت الهجرة إلى المدينة المنورة طريقًا لمواصلة أداء الأمانة وإيصال الرسالة إلى المجتمع الأوسع.

وتبرز هنا دلالة مهمة، وهي أن الهجرة لم تكن انسحابًا من المسؤولية، بل انتقالًا إلى مرحلة جديدة من العمل وتحقيق الأهداف، فقد ارتبطت الرحلة بمعاني الصبر والثبات والإخلاص، وبالإيمان بأن مواجهة الصعوبات لا ينبغي أن تصرف الإنسان عن رسالته، ما دام متمسكًا بمبادئه وساعيًا إلى تحقيق الخير.

ويركز الشرفاء الحمادي على أن المعنى الأعمق للهجرة يتمثل في العودة إلى كتاب الله وتدبر آياته والالتزام بما يدعو إليه من قيم وتشريعات. ويستند في طرحه إلى الآيات القرآنية التي تربط بين اتباع الهداية والاستقامة، وبين الإعراض عن ذكر الله وما يترتب عليه من ضيق الحياة وشقائها.

ويحمل هذا الطرح دعوة إلى تحويل العلاقة بالقرآن من مجرد التلاوة أو الاحتفاء الرمزي إلى ممارسة عملية تنعكس على السلوك اليومي سواء في التعامل مع الأسرة أو المجتمع أو أصحاب المعتقدات المختلفة، فالقيمة الحقيقية للهداية تظهر في الأفعال والمواقف وفي قدرة الإنسان على الالتزام بالعدل والرحمة والابتعاد عن الظلم والإساءة.

ومن المحاور الأساسية في المقال تأكيد الشرفاء الحمادي أن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم تمثل نموذجًا عمليًا للقيم التي يدعو إليها القرآن الكريم، فهو يستحضر صورة الرسول بوصفه رحيمًا وعفوًا ومحسنًا، يتعامل مع الناس بالحكمة والموعظة الحسنة ويراعي حقوق الآخرين بعيدًا عن الاختلاف في العقيدة أو الدين.

وتتضح أهمية هذه الفكرة في ربط الدين بالسلوك، إذ لا ينفصل الإيمان عن طريقة التعامل مع الآخرين ولا تكتمل الرسالة الأخلاقية بمجرد إعلان المبادئ دون تطبيقها، ومن ثم، فإن الاقتداء بالرسول يتطلب استحضار القيم التي جسدها في حياته والعمل على نشر التسامح والتكافل واحترام الإنسان وصون كرامته.

ويتناول المقال كذلك ما يراه الشرفاء الحمادي من أن المصالح والخوف على المكانة قد يدفعان بعض الأطراف إلى مقاومة الدعوات الإصلاحية، مشيرًا إلى ما واجهته الدعوة الإسلامية من معارضة ومحاولات لإعاقة انتشارها ويربط هذا المحور بين مسؤولية حمل الرسالة وأهمية الحفاظ على مضمونها، بعيدًا عن التحريف أو التشويه.

وتبرز في هذا السياق أهمية الوعي والرجوع إلى النص القرآني لفهم المبادئ التي يدعو إليها، بدلًا من الانسياق وراء ما قد يثير التعصب أو يبرر الظلم، وهي دعوة إلى جعل المعرفة وسيلة للإصلاح، وإلى الاحتكام إلى قيم العدل والرحمة في تقييم الأفكار والممارسات، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.

لا يقف المقال عند استعراض أحداث الهجرة، بل يطرحها بوصفها مناسبة لمراجعة الواقع وتجديد الالتزام بالقيم التي حملتها الرسالة الإسلامية، فالصبر أمام المحن، والإخلاص في أداء المسؤولية، والثبات على المبادئ، كلها معاني يمكن استلهامها في مواجهة التحديات المعاصرة، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي.

كما يربط الشرفاء الحمادي بين اتباع الهداية وتحقيق الحياة الكريمة، مستشهدًا بآيات قرآنية تؤكد الاستقامة وتبشر المؤمنين بالطمأنينة والجزاء الحسن، ويمنح هذا الربط المقال بعدًا أخلاقيًا يتجاوز حدود المناسبة، ليؤكد أن بناء المجتمعات الآمنة يبدأ من الإنسان نفسه، ومن التزامه بالحق والعدل، وحرصه على ألا يكون سببًا في أذى الآخرين أو انتقاص حقوقهم.

تتمثل الفكرة المحورية في مقال الشرفاء الحمادي في أن الهجرة النبوية تظل مصدرًا لاستلهام معاني التضحية والإيمان والعمل، وأن العودة إلى كتاب الله ينبغي أن تنعكس على حياة الناس في صورة سلوك أخلاقي ومسؤولية اجتماعية، فالقرآن ليس نصًا يُستحضر في المناسبات فحسب، بل منهج للهداية والإصلاح يوجه الإنسان نحو الخير ويحثه على الرحمة والعدل والإحسان.

وفي ختام طرحه، يستحضر الشرفاء الحمادي مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، ورمزًا للرحمة والاقتداء الأخلاقي، وتبقى الرسالة التي يحملها المقال أن الاحتفاء الحقيقي بالهجرة يبدأ من استعادة مقاصدها الإنسانية، وترجمة قيم القرآن إلى ممارسات يومية تحفظ كرامة الإنسان، وتدعم السلام والتعايش، وتجعل الإيمان قوة للبناء والإصلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى