علاء عبدالله يكتب: علم الغيب في القرآن.. تأكيد لبشرية الرسول وتحديد لرسالته
يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، في مقاله “علم الغيب عند الرسول” بابًا للتأمل في قضية عقدية مهمة، مستندًا إلى آيات القرآن الكريم التي تؤكد أن علم الغيب من اختصاص الله سبحانه وتعالى، وأن الرسول محمدًا عليه السلام بشر اصطفاه الله بالوحي، وكلفه بتبليغ رسالته وهداية الناس إلى طريق الحق.
ويستند المقال إلى مجموعة من الآيات القرآنية التي توضح حدود ما يملكه الرسول من علم وقدرة، وفي مقدمتها قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، من سورة الأعراف، وهي آية يبرز بها الكاتب دلالة واضحة على أن معرفة الغيب ليست من القدرات الذاتية للرسول، وأن علم الغيب المطلق لله وحده.
ولا يقف المقال عند هذه الدلالة، بل ينتقل إلى تأكيد بشرية الرسول عليه السلام، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، ومن خلال هذه الآية، يوضح الشرفاء أن مكانة الرسول العظيمة لا تنفي عنه صفته البشرية، وإنما تتمثل خصوصيته في اصطفاء الله له بالوحي وتكليفه بحمل الرسالة، وهو ما يقتضي التمييز بين مقام النبوة وبين اختصاص الله سبحانه بعلم الغيب.
كما يستحضر الكاتب حقيقة الموت وما يمر به الإنسان من تغيرات وأحداث، ليؤكد أن الرسول عليه السلام خضع للسنن الإلهية التي تحكم حياة البشر، ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، في إشارة إلى أن الاصطفاء الإلهي لا يخرج الإنسان عن طبيعته البشرية، ولا يجعله مالكًا لقدرات مطلقة تتجاوز ما أذن الله به.
ومن القضايا المهمة التي يتناولها المقال أيضًا تحديد مسؤولية الرسول تجاه الناس، إذ يشير إلى أن مهمته الأساسية هي البلاغ والإنذار والتبشير وليست السيطرة على ضمائر البشر أو إجبارهم على الإيمان، ويستشهد الكاتب بآيات قرآنية توضح أن الرسول ليس وكيلًا على الناس وأن حسابهم وجزاءهم مرجعهما إلى الله سبحانه وتعالى، ويعكس هذا الطرح تأكيدًا على مسؤولية الإنسان عن اختياراته وأعماله وعلى أن الهداية تقوم على بيان الحق واتباعه، لا على إلغاء إرادة الإنسان.
وتتصل هذه الفكرة برسالة المقال الأوسع، التي تركز على ضرورة الرجوع إلى القرآن الكريم لفهم طبيعة الرسالة الإسلامية وحدود التكليف النبوي. فالرسول، وفق الآيات التي يستشهد بها الكاتب، جاء ليبين للناس طريق الحق، ويحذرهم من الباطل، ويدعوهم إلى الإيمان بالله والعمل الصالح، بينما يظل علم الغيب المطلق من اختصاص الخالق وحده.
وتبرز أهمية المقال في دعوته إلى تدبر النص القرآني وفهم دلالاته في سياقها بعيدًا عن الخلط بين منزلة الرسول ومقام الألوهية، أو بين الوحي الذي اصطفاه الله به وبين العلم المطلق الذي اختص به نفسه، كما يلفت الانتباه إلى أن جوهر الرسالة لا ينفصل عن مسؤولية الإنسان الأخلاقية وعن اختياره الطريق الذي يسلكه في حياته.
وفي المحصلة، يقدم الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي قراءة تستند إلى الآيات القرآنية لتأكيد أن الرسول عليه السلام بشر مرسل، وأن مهمته تتمثل في تبليغ رسالة الله وإنذار الناس وتبشير المؤمنين، بينما يبقى الغيب المطلق لله سبحانه وتعالى، وهي دعوة إلى جعل القرآن مرجعًا للتدبر والفهم، وإلى إدراك أن الإيمان الحقيقي يرتبط باتباع الهداية الإلهية والعمل الصالح، والاستعداد ليوم الحساب.



