علاء عبدالله يكتب: “الشريعة الإسلامية” في رؤية علي الشرفاء الحمادي.. حين يصبح الفن جسرًا إلى الحقيقة
يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي من خلال مقاله “الشريعة الإسلامية” بابًا للتأمل في العلاقة بين التشريع الإلهي والفهم الإنساني، ويطرح رؤية تدعو إلى التمييز بين القيم التي يحملها القرآن الكريم والاجتهادات البشرية التي تشكلت عبر التاريخ، وتأتي القصة الأدبية التي استلهمها هشام النجار من المقال لتقدم هذه الأفكار في قالب إبداعي يجمع بين الحوار الثقافي والتساؤلات الفكرية، ويمنح القارئ فرصة لإعادة النظر في مفاهيم اعتاد التعامل معها باعتبارها مسلمات.
وتنطلق القصة من صالون ثقافي يجمع مجموعة من المثقفين المنتمين إلى خلفيات ثقافية مختلفة، حيث يتحول الحديث عن الأدب والفنون إلى نقاش حول الشريعة الإسلامية، بعدما يثير الكاتب المصري نادر السيوفي تساؤلًا بشأن العلاقة بين التشريع الديني والإبداع، ويكشف هذا التحول عن إشكالية أوسع تتعلق بالصورة النمطية التي تربط الدين بالقيود، في مقابل النظر إلى الفن باعتباره مساحة مفتوحة للخيال والحرية.
ومن خلال هذا الحوار، تتجلى الفكرة الأساسية التي يقدمها المقال وهي أن الشريعة الإلهية تقوم على قيم العدل والرحمة والحرية والسلام والتعاون، وتهدف إلى حماية حقوق الإنسان وتحقيق الاستقرار المجتمعي، وفي المقابل، يلفت النص إلى ضرورة التمييز بين هذه القيم وبين التفسيرات والاجتهادات البشرية التي قد تتأثر بالمصالح والأهواء وتؤدي إلى نتائج تتعارض مع مقاصد الرحمة والتسامح.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من دعوتها إلى إعادة فحص الموروث الفكري والتاريخي، وعدم الخلط بين النص الإلهي والاجتهاد الإنساني، أو التعامل مع كل ما تراكم عبر القرون باعتباره تعبيرًا نهائيًا عن الدين، فالمسألة لا تتعلق بمجرد الاختلاف في تفسير بعض القضايا وإنما بضرورة مراجعة المرجعيات التي تشكل الوعي الديني، والنظر في مدى اتساقها مع المبادئ القرآنية التي تؤكد العدل والرحمة وحرية الاعتقاد.
وفي هذا السياق، يطرح النص موقفًا نقديًا من الروايات والموروثات التي يرى كاتبه أنها أسهمت في إبعاد المسلمين عن القرآن الكريم، وأدت إلى انقسامات وصراعات أضعفت حضور القيم الإنسانية في الخطاب الديني، ويعرض هذه القضية بوصفها أحد المحاور التي تستدعي البحث والمراجعة، مع التأكيد على أن معالجة الخلافات الفكرية تتطلب العودة إلى النصوص وفحص الأفكار بدلًا من الاكتفاء بتكرار ما استقر في الوعي الجمعي عبر الزمن.
ولا يتوقف الطرح عند نقد بعض الممارسات أو المرجعيات، بل ينتقل إلى البحث عن وسيلة قادرة على إيصال الأفكار إلى الجمهور بعيدًا عن الخطاب التقليدي المباشر، وهنا يمنح النص الأدب والفن دورًا محوريًا في تشكيل الوعي، باعتبارهما وسيلتين قادرتين على تحويل القضايا الفكرية المعقدة إلى تجارب إنسانية قريبة من الناس، تثير الأسئلة وتحفز التفكير وتفتح المجال أمام الحوار.
وتعكس مبادرة أبطال القصة الذين يقررون توظيف الأقلام والكاميرات والأدوات الإبداعية لنشر أفكارهم، إيمانًا بقدرة العمل الفني على تجاوز الحواجز الثقافية واللغوية، فالقصة والرواية والسينما والشعر لا تقدم المعرفة في صورة معلومات مجردة فحسب، بل تضع الإنسان أمام مواقف وشخصيات وتجارب تدفعه إلى التأمل وتساعده على مراجعة قناعاته من دون فرض إجابات جاهزة عليه.
وتبلغ الرسالة ذروتها عندما يتلقى نادر رسالة من شاب يؤكد فيها أن إحدى القصص ساعدته على إعادة اكتشاف القرآن الكريم بوصفه مرجعيته الأساسية، وتمثل هذه اللحظة خلاصة رمزية للفكرة التي يسعى النص إلى إبرازها، وهي أن الإبداع يمكن أن يكون مدخلًا إلى المعرفة، وأن التأثير الحقيقي لا يتحقق بكثرة المواعظ بقدر ما يرتبط بالقدرة على مخاطبة العقل والوجدان معًا.
أما مشهد الفجر الذي يشق ظلام الليل فيحمل دلالة تتجاوز إطار الحكاية، إذ يرمز إلى انكشاف الحقيقة بعد رحلة من التساؤل والبحث، وتتصل هذه الصورة بعبارة “والله متم نوره”، التي تمنح نهاية القصة بعدًا معنويًا وتؤكد في سياقها الرمزي أن البحث عن الحقيقة يحتاج إلى عقل متفتح، حوار جاد، واستعداد لمراجعة الأفكار.
وتقدم قراءة المقال والقصة معًا تصورًا لدور المثقف في المجتمع؛ فمسؤوليته لا تقتصر على نقل الأفكار أو الدفاع عن المواقف، وإنما تمتد إلى فتح مساحات للنقاش، تشجيع القراءة النقدية، وتقديم القضايا الكبرى بلغة قادرة على الوصول إلى مختلف الفئات، كما تبرز أهمية التفاعل بين الفكر والأدب في تناول القضايا الدينية والإنسانية بما يسمح بتوسيع دائرة الحوار بعيدًا عن التعصب والانغلاق.
وفي المحصلة، يطرح مقال “الشريعة الإسلامية” للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، كما تجسده القصة المستلهمة منه، سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين الوحي والاجتهاد البشري وحدود تأثير الموروث في تشكيل فهم الإنسان لدينه، وتكمن الرسالة الأبرز في الدعوة إلى جعل القرآن الكريم والقيم الإنسانية محورًا للتأمل والمراجعة، وإلى توظيف الفن والمعرفة في بناء وعي أكثر انفتاحًا على الحوار والسلام، فحين يلتقي الفكر بالإبداع لا يعود الفن مجرد وسيلة للتعبير، بل يصبح مساحة لاكتشاف الأسئلة الكبرى، إعادة النظر في المعتقدات، والبحث عن الحقيقة بعقل حر ومسؤول.



