د صلاح سلام يكتب: أكتوبر في سيناء

د صلاح سلام يكتب: أكتوبر في سيناء
كان نصر أكتوبر ذو مذاق خاص بالنسبة لنا في سيناء، فلم يكن وقعه على المواطن هناك كما لو كان في القاهرة أو أي عاصمة عربية؛ فنحن كنا تحت وطأة المعاناة، فلا سفر إلى القاهرة إلا بتنسيق مسبق مع الصليب الأحمر الدولي، وقد يتأخر التنسيق عامًا كاملًا، يضيع من عمرك، وأقرانك سبقوك في الدراسة.
أو فجأة ينطلق الميكروفون ببيان إلى السكان بمنع التجول لأجل غير مسمى، ربما بحثًا عن فدائيين أو للقبض على خلية تعمل لصالح المخابرات المصرية… لا تستطيع أن تسهر على شاطئ البحر أو تنام في أي شاليه، لذلك كانت كل الشاليهات مهجورة.
ليس هناك تواصل مع العالم الخارجي؛ فلا الإرسال التليفزيوني المصري يصل، ولا الجرائد بالطبع، وأحيانًا ربما تليفزيون لبنان أو الأردن صيفًا، بالإضافة إلى البث العبري من القنوات الإسرائيلية، يتخللها فترة ساعة إخبارية باللغة العربية…
لا تسمع إلا: فلان تم اعتقاله أمس، أو فلان تم تصفيته…
ولأن الحروب تصنع الرجال، فقد كان النضج مبكرًا؛ فمن رحم المعاناة تولد الحكمة. فبرغم أن عمري لم يتجاوز التسع سنوات في حرب يونيو 1967، فقد سجلت الذاكرة كل دقائق الأمور، وما تلاها من أشكال المقاومة والمظاهرات والإضرابات والمنشورات ضد المحتل.
لقد أيقظت الحرب فينا رجولة مبكرة واستعدادًا للتضحية؛ لأن الموت أصبح فصلًا من النهار تراه كل يوم بعينيك، وليس مجرد حكايات تُروى.
فعندما حصلت على الثانوية العامة وحضرت إلى القاهرة بعد رحلة شاقة، وبعد بدء الدراسة بشهرين تقريبًا، وجدت أن التفكير مختلف، والثقافة مختلفة، ووجدت صعوبة في التكيف مع نفس الفئة العمرية، فكنت دائمًا أميل إلى الزملاء الأكبر سنًا ممن يسبقونني في الكلية.
وعندما اندلعت حرب الاستنزاف، بعد أن تجرعنا آثار هزيمة يونيو، كنا ننتظر كل يوم أن تمتد الحرب ليتم تحريرنا من عبودية المحتل الصهيوني، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة التي جعلتنا نهتز فرحًا في الشوارع، ونحن نجتمع حول المذياع في كل بيان صادر من القوات المسلحة، بعد أن تجاوزنا محنة البيانات المفبركة التي كان أحمد سعيد يتلوها من ميكروفونات هيئة الاستعلامات التي كانت بجوار بيتنا في يونيو الحزين.
وعند البيان الخامس الذي أذاعه حلمي البلك، ابن العريش، بعبور قواتنا المسلحة إلى الضفة الشرقية للقناة، بلغت القلوب الحناجر، فانطلقت الزغاريد من كل بيت، ولم تُغلق المحلات وقت أذان المغرب، فقد تناولنا الإفطار في الشارع في مأدبة عشوائية غير متصلة.
وبدأ كل منا يفكر: كيف نستطيع مساعدة قواتنا المسلحة ونحن خلف خطوط العدو؟
فنشطت خلايا اللاسلكي النائمة، تنقل الأخبار أولًا بأول عن حشود العدو إلى مكاتب المخابرات الحربية بغرب القناة.
وعندما بدأ الجسر الجوي الأمريكي والأسطول السادس الإنزال على شاطئ العريش لاستعواض خسائر العدو الفادحة، تشكلت فرق منا لمحاولة عرقلة هذا الإمداد بوسائل بدائية، بإغلاق الطريق البري الوحيد: العريش – القنطرة، بجذوع النخيل أو بخوازيق من المسامير.
أما الفرق المنظمة، فقد قامت بنسف ما تبقى من خط السكة الحديد القادم من غزة إلى العريش؛ لأن باقي الخط من العريش إلى القنطرة قد تم نزعه واستخدامه في تحصينات خط بارليف، الذي أقامه العدو مع ساتر ترابي ضخم على شرق قناة السويس ليختبئ خلفه.
ولكن إرادة النصر وقوة العزيمة والإيمان بالحق والوطن أوجدت السبل لجعل هذا الخط ينهار في ست ساعات.
وطوال أيام الحرب، كانت البيوت في سيناء في حالة تعبئة عامة، يخططون لحرب طويلة سوف تنتهي بالتحرير لكامل التراب الوطني.
وبرغم أن القبول بوقف إطلاق النار كان مخيبًا للآمال، فإن فرحة النصر جعلت الأعناق تشرئب إلى عنان السماء، ونشوة الفرح أذلت أعناق المحتل الذي كان يختال إثر نشوة زائفة لحرب لم تكن جيدة الإعداد، ولم تختبر الجندي المصري في يونيو 1967.
وعندما شد الجند الرحال، وعلى قلب رجل واحد، قالوا: بسم الله.. الله أكبر، كان النصر المبين لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
فتحية للأبطال في عيد نصرهم، وتحية من كل قلب لكل أسرة شهيد ضحى بنفسه لترتفع هامات الرجال ورايات الوطن خفاقة…
وللقصة بقية إن كان في العمر بقية.



