علاء عبدالله يكتب: علي محمد الشرفاء الحمادي يدعو إلى مراجعة التراث والعودة إلى مقاصد القرآن في ترسيخ الرحمة والعدل والسلام
يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، في مقاله “إسدال ستارة سوداء على التراث” ملف العلاقة بين التراث الديني وفهم النص القرآني، طارحًا تساؤلات جوهرية حول أسباب الخلافات والانقسامات التي شهدها التاريخ الإسلامي، ومدى تأثير التفسيرات والروايات الموروثة في تشكيل وعي الأجيال المتعاقبة، وينطلق الشرفاء من رؤية فكرية تدعو إلى إعادة قراءة القرآن الكريم في ضوء مقاصده الإنسانية.التي يرى أنها تقوم على الرحمة والعدل والتسامح ورفض الاعتداء، مؤكدًا ضرورة إعمال العقل والتدبر بدلًا من التسليم المطلق بكل ما تناقلته الأجيال السابقة.
ويركز المقال على قضية فهم النصوص القرآنية بعيدًا عن التأويلات التي يراها الكاتب متعارضة مع الغايات الأساسية للرسالة الإسلامية، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم وضع قواعد واضحة لتنظيم العلاقات بين البشر، وحث على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما نهى عن الاعتداء والظلم. ويستشهد الشرفاء بقوله تعالى: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ” (النحل: 125)، معتبرًا أن هذا التوجيه يمثل أساسًا لفهم طبيعة الدعوة الإسلامية التي تقوم على الحوار والإقناع لا الإكراه والعنف.
وفي هذا السياق، يناقش الكاتب مصطلح «آية السيف»، معترضًا على استخدامه بوصفه مدخلًا لتبرير القتال المطلق أو إضفاء شرعية دينية على الاعتداء على الآخرين، ويرى أن هذا المصطلح لا يستند إلى تعبير قرآني صريح، وأن توظيفه بهذه الصورة يسهم في تشويه القيم التي يحملها الإسلام. ويستند في طرحه إلى الآية الكريمة: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة: 190)، مؤكدًا أن النهي عن الاعتداء يمثل مبدأ أساسيًا في رؤيته لمقاصد القرآن.
كما يطرح الشرفاء قضية التمييز بين القتال والجهاد.داعيًا إلى عدم اختزال المفاهيم القرآنية في معاني ترتبط بالعنف أو الصراع، فالجهاد، وفقًا لتفسيره، يشمل مجاهدة النفس والابتعاد عن المحرمات والمظالم والعمل على نشر الخير والإصلاح والتعاون فضلًا عن استخدام الكلمة في الدعوة إلى القيم الإنسانية، ويستشهد بقوله تعالى: “وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (الإسراء: 53)، ليوضح أهمية الخطاب الحسن في تجنب النزاعات وتعزيز التفاهم بين الناس.
ويتوقف المقال عند تأثير الموروث الفقهي والروايات الدينية في تشكيل الفكر الإسلامي، إذ يرى الشرفاء أن بعض التفسيرات التي تراكمت عبر القرون أسهمت في ترسيخ الانقسام والتعصب، وأن التعامل معها باعتبارها مرجعيات لا تقبل المراجعة قد يبعد المسلمين عن التدبر المباشر في كتاب الله، ويربط الكاتب بين هذا المسار وبين الصراعات التاريخية التي شهدتها المجتمعات الإسلامية، مستحضرًا أحداثًا مثل موقعة الجمل وصفين، وما تلاهما من صراعات سياسية ومذهبية، في محاولة لتفسير استمرار الانقسامات وتوارث الخلافات عبر الأجيال.
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها الشرفاء في مقاله ضرورة استعادة دور العقل في فهم النصوص الدينية، انطلاقًا من أن التدبر ليس حكرًا على جيل بعينه أو فئة محددة من العلماء، وإنما هو مسؤولية يتحملها الإنسان في إطار سعيه إلى فهم الهداية الإلهية، ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ” (المدثر: 38)، معتبرًا أن المسؤولية الفردية عن الأعمال والاختيارات تقتضي ألا يتخلى الإنسان عن التفكير والمراجعة، أو يجعل اجتهادات السابقين بديلًا عن مسؤوليته في فهم النصوص ومقاصدها.
وتتسع رؤية الكاتب لتشمل قضايا اجتماعية واقتصادية، من بينها الفقر والتكافل الاجتماعي حيث يربط بين فهم التشريعات القرآنية وتحقيق الاستقرار داخل المجتمع، ويناقش مفهوم قطع يد السارق من زاوية يطرح فيها أهمية معالجة الظروف التي تدفع إلى السرقة، من خلال توفير الاحتياجات الأساسية وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة، معتبرًا أن الوقاية من الجريمة تتطلب الاهتمام بأسبابها الاجتماعية والاقتصادية، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى العقوبة بمعزل عن الظروف المحيطة بها.
وفي السياق نفسه، يتناول الشرفاء قضية الزكاة وتوزيع الثروة، داعيًا إلى إعادة النظر في آليات التكافل المالي بما يحقق، وفق رؤيته، الغاية الاجتماعية من مساعدة الفقراء والمحتاجين وتقليص الفجوة بين شرائح المجتمع. ويطرح تصورًا يقوم على توسيع الاستفادة من الموارد والأرباح الاقتصادية لصالح الفئات الأكثر احتياجًا، مستشهدًا بالآيات التي تحث على الإنفاق من الكسب الطيب، وتقرر حقًا للسائل والمحروم في أموال القادرين.
ويستخدم الكاتب مثالًا افتراضيًا يتعلق بأرباح البورصة المصرية لتوضيح تصوره بشأن إمكانية توجيه نسبة من الأرباح إلى صندوق للزكاة بما يوفر موارد مالية لدعم العلاج والتعليم والغذاء وتلبية الاحتياجات الأساسية، ويأتي هذا الطرح في إطار دعوته إلى ربط المبادئ الدينية بالسياسات الاجتماعية التي تستهدف مكافحة الفقر وتحقيق التكافل، مع التأكيد على أن تفاصيل النسب والآليات المالية التي يقترحها تمثل جزءًا من اجتهاده الفكري في تفسير مقاصد الإنفاق والزكاة.
ويؤكد المقال أن تجديد الخطاب الديني، وفقًا لرؤية الشرفاء، لا يتحقق بمجرد تغيير المصطلحات أو الاكتفاء بإدانة مظاهر التطرف، بل يتطلب مراجعة أعمق للمفاهيم التي يستند إليها الخطاب الديني، والعودة إلى القيم التي يراها الكاتب محورًا للرسالة الإسلامية، وفي مقدمتها الرحمة والعدل وصيانة النفس البشرية ورفض الظلم والإحسان إلى الآخرين، كما يشدد على أهمية التمييز بين النص القرآني والاجتهادات البشرية التي أحاطت به عبر التاريخ، بما يسمح بمناقشة تلك الاجتهادات وتقويمها في ضوء مقاصد القرآن.
ويستحضر الشرفاء في ختام طرحه الآيات التي تحذر من هجر القرآن واتباع الآخرين دون تدبر، ومنها قوله تعالى: “اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ” (الأعراف: 3)، ليؤكد أن إصلاح الواقع يبدأ من مراجعة مصادر الوعي الديني، وإعادة الاعتبار إلى القراءة الواعية للنصوص، بدلًا من تكرار الأفكار دون تمحيص.
وتتمثل الرسالة الأساسية للمقال في الدعوة إلى مراجعة الموروث الفكري والفقهي مراجعة نقدية، لا تجعل الماضي مرجعًا مغلقًا أمام التفكير ولا تسمح بتحويل الاختلاف في الفهم إلى خصومة أو صراع، وبين قضايا التراث والتطرف والفقر والتكافل، يطرح علي محمد الشرفاء الحمادي تساؤلًا أوسع بشأن قدرة الخطاب الديني على استعادة دوره في بناء الإنسان والمجتمع، وترسيخ ثقافة السلام والتعايش، وتقديم قراءة تؤكد القيم الإنسانية المشتركة، وتواجه خطاب الكراهية والاعتداء.



