مقالات

علاء عبدالله يكتب: من الكتاب إلى مجلس الحوار.. تأسيس مجلس الشرفاء الحمادي يفتح مساحة جديدة للفكر والسلام

في المشهد الثقافي والفكري لا تتوقف قيمة الأفكار عند حدود ما يُكتب في الكتب أو يُطرح في المحاضرات، وإنما تبدأ مرحلة أكثر أهمية عندما تتحول تلك الأفكار إلى مساحة للحوار والنقاش والدراسة، ومن هذا المنطلق يأتي تأسيس “مجلس الشرفاء الحمادي” في رحاب معهد دار الفتح لمبون، باعتباره خطوة تفتح المجال أمام قراءة مشروع المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي من خلال لقاءات تجمع بين العلماء والأساتذة والمتخصصين.

واللافت في فكرة المجلس، وفقًا لما جاء في الكلمة التعريفية، أنه لا يقدم نفسه باعتباره مناسبة عابرة، وإنما كموعد فكري منتظم يُعقد مساء كل يوم جمعة، بمشاركة نخبة من المتخصصين في مجالات علمية مختلفة، بهدف دراسة الرؤى والأفكار التي يقدمها علي الشرفاء، والتعريف بمشروعه المرتبط بنشر ثقافة السلام والعودة إلى القرآن الكريم باعتباره منهجًا لبناء الإنسان والمجتمع.

وهنا تبرز أهمية وجود المتخصصين إلى جانب العلماء في مثل هذه المجالس، لأن الأفكار عندما تُطرح على طاولة الحوار تصبح قابلة للقراءة من زوايا متعددة، ويمكن مناقشة أبعادها الاجتماعية والفكرية والإنسانية بدل أن تظل محصورة في إطار التلقي الفردي، فالمجلس، بحسب ما ورد في الكلمة، يسعى إلى صناعة مساحة للبحث والنقاش وليس مجرد تكرار لما ورد في المؤلفات.

كما أن ارتباط المجلس بفكرة السلام يمنحه بُعدًا يتجاوز الاسم نفسه. فثقافة السلام لا تُبنى فقط من خلال الدعوة إليها، وإنما تحتاج إلى خطاب فكري قادر على مناقشة أسباب الصراع والانقسام، وإعادة طرح مفاهيم الرحمة والعدل والحوار باعتبارها قيمًا يمكن أن تنعكس على علاقة الإنسان بنفسه ومجتمعه والآخرين.

وتشير الكلمة التي صاحبت الإعلان عن تأسيس المجلس إلى أن القرآن الكريم يمثل محورًا أساسيًا في المشروع الذي سوف تتناوله اللقاءات، وتفتح هذه النقطة بابًا واسعًا للنقاش حول كيفية قراءة النص القرآني واستحضار القيم التي يتضمنها في معالجة قضايا الإنسان والمجتمع، وهي مساحة تحتاج بطبيعتها إلى البحث والحوار وتعدد وجهات النظر، خصوصًا عندما يشارك فيها أصحاب تخصصات مختلفة.

ومن اللافت أيضًا أن انعقاد المجلس بصورة دورية يمكن أن يمنحه فرصة لبناء تراكم معرفي مع مرور الوقت، فاللقاء الواحد قد يطرح فكرة أو قضية، لكن انتظام اللقاءات يسمح بمتابعة الأسئلة، ومراجعة الأفكار، وفتح ملفات جديدة، وربط ما يناقش في كل جلسة بما سبقه. وهنا تتحول الفكرة من حدث منفرد إلى مسار معرفي قابل للاستمرار.

وفي جانب آخر، فإن إطلاق مجلس يحمل اسم الشرفاء الحمادي داخل مؤسسة تعليمية أو علمية يطرح نموذجًا مختلفًا في التعريف بالمشروعات الفكرية؛ فبدل أن تظل المؤلفات وسيلة التواصل الأساسية، يصبح النقاش المباشر جزءًا من عملية التعريف بالفكر، بما يسمح للمتخصصين والطلاب والحاضرين بطرح الأسئلة ومناقشة الأفكار من زوايا متعددة.

وفي النهاية، فإن تأسيس “مجلس الشرفاء الحمادي” يمكن قراءته باعتباره انتقالًا من مرحلة تقديم الأفكار إلى مرحلة الحوار حولها، والقيمة الحقيقية لأي مجلس فكري لا تتحدد فقط باسم من يحمله، وإنما بما يتيحه من نقاش علمي، وتعدد في الرؤى وقدرة على تحويل المفاهيم الكبرى مثل السلام والعدل والرحمة إلى موضوعات للبحث والدراسة، وهو ما يحدد مع الوقت مدى قدرة هذه التجربة على ترك أثر معرفي يتجاوز حدود اللقاءات الأسبوعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى