مقالات
إبراهيم خالد يكتب … نقابة الصحفيين.. بين «مرشح الدولة» و«الطرف الخفي»

ليس كل ما يقال في أوقات الانتخابات النقابية يصبح حقيقة بمجرد تكراره، وليس كل خلاف داخل الجماعة الصحفية يستدعي البحث عن «طرف خفي» يقف وراءه. والحوارات الصحفية الأخيرة التي طالعناها، بما حملته من ملفات وقضايا، تستحق أن تُناقش لا باعتبارها روايات مكتملة، وإنما باعتبارها وجهات نظر من بين وجهات نظر متعددة في لحظة نقابية شديدة التعقيد.
القضية الأهم التي تستحق التوقف هي أزمة الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية. وهذه الأزمة لا يمكن اختزالها في ثنائية «مع القيد» أو «ضد القيد»، لأن جوهر المشكلة يتعلق بتطور المهنة نفسها. فالصحافة لم تعد صحيفة ورقية فقط، ولم يعد المحرر يجلس بالضرورة داخل غرفة أخبار تقليدية. هناك صحافة رقمية، ومنصات إخبارية، ومؤسسات تعمل على مدار الساعة، وصحفيون يؤدون عملًا مهنيًا كاملًا عبر الوسائط الرقمية.
لكن الاعتراف بهذا التطور لا يعني فتح باب القيد بلا ضوابط. فالنقابة ليست مجرد مظلة اجتماعية، وإنما كيان مهني تحكمه شروط قانونية ومهنية. ولذلك فإن الحل المنطقي هو تطوير معايير القيد بحيث تستوعب التحول الرقمي، مع الحفاظ على جوهر المهنة وضمان ألا يتحول باب العضوية إلى باب خلفي لكل من يعمل في صناعة المحتوى.
ومن هنا أيضًا يصبح الحديث عن إنشاء كيان لأصحاب المواقع مسألة مختلفة تمامًا عن إنشاء نقابة بديلة للصحفيين. لا يجوز افتراض أن كل تنظيم مهني لأصحاب المؤسسات يمثل تهديدًا للنقابة، كما لا يجوز، في المقابل، تجاهل أي محاولة لإنشاء كيان بديل إذا كانت تستهدف بالفعل سحب اختصاصات النقابة. الفيصل هنا هو النصوص والأهداف والاختصاصات، لا التفسيرات السياسية.
أما تعديل قانون نقابة الصحفيين، فلا ينبغي أن يُطرح باعتباره معركة انتخابية مؤجلة. القانون الذي نشأ في ظروف إعلامية مختلفة يحتاج بالفعل إلى مراجعة تناسب العصر الرقمي، لكن التعديل يجب أن يتم عبر حوار نقابي واسع، لا من خلال صفقات أو ترتيبات مرتبطة بأسماء المرشحين.
والأمر ذاته ينطبق على لائحة القيد. المشكلة ليست في وجود لائحة، وإنما في مدى وضوحها وعدالتها واتساق تطبيقها. الصحفي الذي يستوفي الشروط يجب ألا يظل أسيرًا لتقديرات متغيرة، والمؤسسة التي تطلب عضوية صحفييها يجب أن تخضع بدورها لمعايير مهنية واضحة.
ثم تأتي الانتخابات، حيث يبدو أن بعض النقاشات تنقل المعركة من البرامج إلى النوايا. إعادة طرح اسم نقيب الصحفيين السابق، ضياء رشوان، لا تثبت وحدها وجود ترتيب سياسي، كما أن ظهور أي اسم في المشهد الانتخابي لا يعني أنه «مرشح الدولة». هذه عبارات تحتاج إلى أدلة، وليس إلى قراءة ما بين السطور.
والأخطر أن الحديث عن «إحراق» مرشحين أو صناعة بدائل مسبقًا قد يحول الانتخابات النقابية إلى مباراة في تفسير المؤامرات، بينما المطلوب هو شيء مختلف تمامًا: أن يقدم كل مرشح كشف حساب وبرنامجًا واضحًا، وأن يترك للصحفيين حق الاختيار على أساس ما يُطرح أمامهم.
أما تجربة نقيب الصحفيين الحالي، خالد البلشي، فلا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة شخصية أو إلى شهادة تزكية مجانية. يمكن ببساطة طرح الأسئلة المهنية: ماذا تحقق خلال فترة توليه المسؤولية؟ ماذا تغير في ملفات الخدمات والحريات والقيد؟ وما الوعود التي لم تتحول إلى نتائج؟ بهذه الطريقة يصبح التقييم نقابيًا، لا شخصيًا.
المطلوب في هذه المرحلة ليس المزيد من الاستقطاب، وإنما إعادة النقاش إلى مكانه الطبيعي: المهنة أولًا، والقانون ثانيًا، والانتخابات في موعدها، والصندوق هو الحكم.
أما تحويل كل خلاف إلى معركة نفوذ، وكل اسم إلى «مرشح دولة»، وكل مبادرة إلى مشروع لتقسيم النقابة، فلن يؤدي إلا إلى شيء واحد: أن تصبح الضوضاء أعلى من صوت الصحفيين أنفسهم.
والنقابة التي تريد أن تحافظ على استقلالها لا تحتاج إلى رفع الشعارات بقدر حاجتها إلى قواعد واضحة، ومؤسسات قوية، وانتخابات نزيهة، وعضوية تستند إلى معيار مهني واحد لا يتغير بتغير الأشخاص والظروف.



