علاء عبدالله يكتب: من قمرة القيادة إلى صفحات الفكر.. ماذا حمل إهداء كتب علي الشرفاء الحمادي إلى أول قائدة طائرة في ليبيا؟
في الفعاليات الثقافية قد تبدو لحظة إهداء كتاب تفصيلًا عابرًا ضمن برنامج مزدحم، لكنها أحيانًا تحمل دلالة أكبر من مجرد تسليم مؤلفات إلى شخصية عامة، وهذا ما يمكن قراءته في مشهد إهداء مجموعة من مؤلفات المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الكابتن كلثوم البوسيفي، أول قائدة طائرة في ليبيا، خلال ندوة وحفل توقيع الجزء الثاني عشر من موسوعة الشخصيات النسائية العربية الرائدة التي نظمتها شبكة إعلام المرأة العربية.
فاللقاء جمع بين مسارين مختلفين في ظاهرهما؛ مسار الفكر والثقافة من جهة، ومسار التجربة النسائية العربية في المجالات المهنية والعامة من جهة أخرى، وبين المسارين جاءت الكتب باعتبارها وسيلة لفتح مساحة جديدة للتواصل مع شخصية تنتمي إلى تجربة مختلفة، لكنها حاضرة ضمن مشروع توثيق نماذج نسائية عربية استطاعت أن تترك أثرًا في مجالاتها.
وخلال الفعالية، قدم الدكتور معتز صلاح الدين، رئيس مجلس أمناء مؤسسة رسالة السلام العالمية ورئيس شبكة إعلام المرأة العربية، مجموعة من مؤلفات الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الكابتن كلثوم البوسيفي، في خطوة جاءت متزامنة مع الاحتفاء بالجزء الثاني عشر من موسوعة الشخصيات النسائية العربية الرائدة، وشملت الكتب “ومضات على الطريق” الجزء التاسع بجزئيه، و”رسالة الإسلام.. رحمة وعدل وحرية وسلام”، إلى جانب “الطلاق يهدد أمن المجتمع”.
ويكشف اختيار هذه الكتب عن تنوع الموضوعات التي تتناولها مؤلفات الشرفاء الحمادي؛ فهي لا تقتصر على مجال فكري واحد، وإنما تمتد إلى قضايا تتصل بالقيم الإنسانية والاجتماعية وبناء المجتمع والأسرة، فالرحمة والعدل والسلام، وتصحيح المفاهيم، وقضايا الأسرة واستقرارها كلها موضوعات تتقاطع بصورة مباشرة مع النقاشات الأوسع حول الإنسان والمجتمع.
ومن اللافت أن الإهداء جاء داخل فعالية مخصصة أصلًا لتوثيق تجارب نسائية عربية رائدة، فموسوعة الشخصيات النسائية العربية الرائدة، بحسب ما ورد في الفعالية، تسعى إلى تسجيل مسيرات وتجارب شخصيات نسائية من مجالات مختلفة، وهو ما يجعل حضور الكابتن كلثوم البوسيفي جزءًا من سياق ثقافي يتجاوز الاحتفاء الشخصي إلى إبراز مسار امرأة ارتبط اسمها بمجال الطيران في ليبيا.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المشهد؛ فالكتاب والفكر لا يتحركان بمعزل عن التجارب الإنسانية، وإنما يمكن أن يلتقيا مع نماذج مختلفة من المجتمع في مناسبات تجمع الثقافة والإعلام والتوثيق، ولذلك فإن إهداء المؤلفات خلال هذه المناسبة يمكن قراءته باعتباره محاولة لربط الإنتاج الفكري بالشخصيات التي تمثل تجارب عربية متنوعة.
وقد عبرت الكابتن كلثوم البوسيفي عن تقديرها لهذه المبادرة وسعادتها بتسلم المؤلفات، كما وجهت الشكر إلى الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي ومؤسسة رسالة السلام العالمية والدكتور معتز صلاح الدين، وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها تعكس الجانب التفاعلي في المبادرة، حيث لم يكن المشهد مجرد إجراء بروتوكولي، وإنما صاحبه تقدير من الشخصية المكرمة للمؤلفات والجهة التي قدمتها.
أما من ناحية مؤسسة رسالة السلام العالمية، فقد أوضح الدكتور معتز صلاح الدين أن المبادرة تأتي في إطار الاهتمام بنشر الكتاب والتعريف بالإنتاج الفكري للدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، مع التأكيد على أهمية وصول الأفكار إلى شرائح وشخصيات مختلفة من المجتمع، ويضع هذا التصريح الإهداء ضمن سلسلة من الأنشطة الثقافية التي تتعامل مع الكتاب باعتباره وسيلة للتواصل والحوار.
وفي الوقت نفسه، فإن إقامة المبادرة داخل حفل توقيع موسوعة توثق تجارب نسائية عربية يمنحها بعدًا آخر؛ إذ اجتمع في مكان واحد التوثيق الإعلامي، والاحتفاء بالتجربة النسائية، وتقديم الإنتاج الفكري. وهذه المساحات الثلاثة يمكن أن تتكامل عندما يكون الهدف هو التعريف بالشخصيات والأفكار والتجارب التي شكلت جزءًا من المشهد العربي المعاصر.
وتحمل شخصية الكابتن كلثوم البوسيفي نفسها دلالة خاصة في هذا السياق، باعتبارها مرتبطة بتاريخ الطيران النسائي في ليبيا، ومن ثم، فإن إهداء كتب تتناول قضايا الإنسان والمجتمع إلى شخصية ارتبطت بمجال مهني مختلف يوضح اتساع الفضاء الذي يمكن أن تتحرك فيه الأفكار، بعيدًا عن حصرها في جمهور متخصص أو فئة ثقافية محددة.
كما أن المناسبة تكشف عن استمرار مشروع شبكة إعلام المرأة العربية في توثيق النماذج النسائية، من خلال إصدار أجزاء متتالية من الموسوعة وتسليط الضوء على تجارب شخصيات عربية في مجالات متعددة. ومع الجزء الثاني عشر، يبدو أن المشروع يتعامل مع التوثيق باعتباره وسيلة لحفظ الذاكرة المهنية والاجتماعية للنساء العربيات وإبراز مساراتهن أمام الأجيال الجديدة.
وفي قراءة أوسع للمشهد، فإن الجمع بين كتاب الفكر وسيرة الشخصية النسائية داخل فعالية واحدة يفتح الباب أمام مفهوم أكثر اتساعًا للعمل الثقافي؛ فالثقافة لا تقتصر على الندوات والمحاضرات، والتوثيق لا يقتصر على سرد السير، والكتاب لا يظل حبيس رفوف المكتبات، فعندما تنتقل المؤلفات إلى شخصيات من مجالات مختلفة يصبح الكتاب نفسه جزءًا من شبكة تواصل أوسع بين الفكر والتجربة الإنسانية.
ومن هنا يمكن النظر إلى إهداء مؤلفات الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الكابتن كلثوم البوسيفي باعتباره مشهدًا يجمع بين رمزين مختلفين: تجربة عربية نسائية ارتبطت بالطيران، وإنتاج فكري يناقش قضايا الإنسان والمجتمع والقيم، وبينهما تأتي الفعالية الثقافية كمساحة للتعارف والحوار وتبادل المعرفة.
وفي النهاية، فإن قيمة هذا المشهد لا تتوقف عند أسماء الكتب أو مناسبة الإهداء، وإنما تمتد إلى الفكرة الأوسع التي يعكسها: أن الكتاب يمكن أن يكون جسرًا بين مجالات وتجارب مختلفة، وأن الاحتفاء بالشخصيات العربية الرائدة يمكن أن يتزامن مع تقديم أفكار جديدة إليها، وبين مشروع توثيق المرأة العربية ومشروع نشر الفكر والثقافة، جاءت هذه المناسبة لتجمع مسارين في لحظة واحدة، وتضيف فصلًا جديدًا إلى سلسلة اللقاءات والمبادرات الثقافية التي تربط الكتاب بالشخصية والمجتمع.



