علاء عبدالله يكتب: الشهادتان بين النطق والمعرفة.. قراءة في معنى الالتزام بحقيقة الإسلام
يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “ماذا تعني الشهادتين” سؤالًا يتجاوز حدود النطق اللفظي بالشهادة إلى البحث في المعنى الحقيقي الذي يفترض أن تحمله هذه الكلمات في حياة الإنسان. فالشهادة، وفق الفكرة التي ينطلق منها المقال، ليست مجرد قول يُردد، وإنما إقرار يقوم على المعرفة واليقين، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل أساسي حول مدى إدراك الإنسان لمعنى ما يعلن الالتزام به عندما يشهد بوحدانية الله ورسالة النبي محمد.
وتتمحور رؤية المقال حول ضرورة أن يسبق المعرفةُ الإقرارَ، فالإنسان الذي يعلن دخوله الإسلام، بحسب الطرح الذي يقدمه الكاتب، يحتاج أولًا إلى التعرف على الله كما يقدم القرآن صفاته وأسمائه، وفهم طبيعة الرسالة التي جاء بها النبي، وإدراك ما تتضمنه من قيم وتشريعات ومنهج أخلاقي ينظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع. ومن هنا تصبح الشهادة، في هذا التصور، نقطة بداية لمسار من التعلم والالتزام وليست نهاية الطريق.
ويستند المقال إلى مجموعة من الآيات القرآنية التي تتناول صفات الله ومهمة الرسول وحدود دوره، ليؤكد أن القرآن يقدم تصورًا واضحًا عن التوحيد وعن مكانة النبي باعتباره رسولًا ومبلغًا للرسالة، ويبرز في هذا السياق التأكيد القرآني على بشرية الرسول، وعلى أن مهمته تتمثل في البلاغ والدعوة والإنذار والبشارة، بما يحافظ على مركزية التوحيد ويمنع تحويل الإيمان بالرسول إلى صورة من صور الغلو في شخصه.
ومن الأفكار اللافتة في المقال الربط بين المحبة والاتباع؛ إذ يرى الكاتب أن الإيمان لا ينبغي أن يظل في نطاق المشاعر أو العبارات وإنما تظهر حقيقته في السلوك والعمل، ويستحضر لذلك الآيات التي تربط محبة الله باتباع الرسول وطاعته، في محاولة لتقديم معيار عملي للإيمان، يقوم على أن ما يعلنه الإنسان بلسانه ينبغي أن يجد انعكاسًا في اختياراته وأخلاقه ومعاملاته اليومية.
كما يناقش المقال قضية اختزال الإسلام في مجموعة من الطقوس والممارسات، معتبرًا أن التركيز على الشكل وحده قد يؤدي إلى إبعاد الإنسان عن المقاصد الأوسع للرسالة. وفي رؤية الكاتب، فإن الإسلام لا ينفصل عن منظومة القيم التي تدعو إلى العدل والسلام وحفظ الحقوق وحسن التعامل، ولذلك فإن فهم الدين لا يكتمل عند حدود أداء الشعائر، بل يمتد إلى الطريقة التي يعيش بها الإنسان ويتعامل بها مع الآخرين.
ويولي المقال مساحة كبيرة لفكرة العلاقة بين القرآن والمنهج الذي ينبغي للمسلم أن يستند إليه في حياته، وينتقد ما يراه الكاتب من هيمنة بعض المرويات والتراثيات على فهم الدين عندما تُقدَّم على حساب التدبر في القرآن، وهذه النقطة تمثل جانبًا محوريًا في مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي الفكري، الذي يركز في كتاباته على العودة إلى النص القرآني بوصفه أساسًا لفهم الرسالة الإسلامية ومقاصدها.
ومن زاوية أخرى، يطرح المقال قضية مهمة تتعلق بالمسؤولية تجاه من يدخل الإسلام حديثًا، فالشخص الذي يعلن الشهادتين يحتاج، وفق التصور المطروح، إلى معرفة ما يترتب على هذا الإقرار من واجبات ومسؤوليات، حتى لا تتحول الشهادة إلى إجراء شكلي منفصل عن المعرفة والتطبيق، ويشير الكاتب إلى أن تعريف الإنسان بالدين ومقاصده وأحكامه ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من هذه الرحلة، حتى يصبح الالتزام نابعًا من فهم واقتناع، وليس مجرد ترديد لعبارات متوارثة.
وتتسع الفكرة في المقال لتشمل الجانب الأخلاقي والاجتماعي من الإسلام، حيث لا يقتصر المسلم في التصور الذي يقدمه الكاتب على أداء العبادات وإنما ينتظر منه أن يترجم القيم الدينية إلى سلوك في الأسرة والعمل والمجتمع والعلاقات الإنسانية عمومًا، ومن ثم، فإن معيار التدين لا يظهر فقط في علاقة الإنسان بالشعائر، وإنما كذلك في صدقه وأمانته وعدله ورحمته وطريقة تعامله مع الآخرين، بصرف النظر عن اختلاف الأديان.
ويعيد المقال كذلك طرح مفهوم «الحياة الطيبة» باعتباره أحد الآثار التي يربطها الكاتب بالهداية والالتزام بالمنهج القرآني. فحين يفهم الإنسان مسؤولياته، ويعمل وفق ما يراه الكاتب هداية إلهية، يمكن أن ينعكس ذلك على نظرته إلى الحياة وعلى شعوره بالرضا والاستقرار وتحمل المسؤولية، وهنا ينتقل النقاش من مجرد تعريف الشهادة إلى السؤال الأوسع: كيف تتحول العقيدة التي يعلنها الإنسان إلى منظومة حياة؟
وفي النهاية، يقدم المقال الشهادتين باعتبارهما بداية لعلاقة واعية بين الإنسان وربه، لا مجرد صيغة لفظية منفصلة عن المعرفة والعمل والفكرة الأساسية التي يمكن استخلاصها من طرح علي محمد الشرفاء الحمادي هي أن الإيمان، كما يقدمه في قراءته للقرآن، يرتبط بالوعي والمسؤولية والسلوك، وأن إعلان الانتماء إلى الإسلام يفترض أن يصاحبه سعي مستمر لفهم الرسالة وتطبيق قيمها في الواقع.
وبذلك يفتح المقال نقاشًا حول الفارق بين النطق بالشهادة وفهم دلالتها، وبين الانتماء الشكلي إلى الدين وتحويل مبادئه إلى ممارسة يومية، وهي زاوية تجعل موضوع الشهادتين، في قراءة الكاتب، مرتبطًا ليس فقط بكيفية دخول الإنسان الإسلام، وإنما أيضًا بكيفية استمرار هذا الإنسان في بناء علاقته بالله والناس من خلال المعرفة والعمل والأخلاق.



