تقارير

رسائل الرئيس لترسيخ قيم الانضباط والمسئولية واحترام القانون بناء الإنسان.. رؤية متكاملة لتطوير مؤسسات الدولة

لا تعد قضية إصلاح مؤسسات الدولة مجرد حديث عن تطوير لوائح أو إعادة ترتيب هياكل إدارية، وإنما باتت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على بناء مؤسسات أكثر كفاءة، واختيار كوادر أكثر تأهيلًا، وتحويل التدريب والمعرفة إلى أداء ملموس يشعر به المواطن فى حياته اليومية.

 

وفى هذا السياق، جاءت كلمة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال احتفالية تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية بالأكاديمية العسكرية المصرية، لتفتح ملفات متشابكة تتعلق بإعادة بناء منظومة العمل المؤسسي، وتأهيل العنصر البشري، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، مع التأكيد على أن الإصلاح عملية ممتدة تحتاج إلى الجدية والصبر والانضباط فى التنفيذ.

وتبرز أهمية الرسائل الرئاسية فى توقيتها ودلالاتها، خاصة ما يتعلق بعامل الوقت، ومتابعة خريجى البرامج التدريبية، وربط ما يحصلون عليه من معارف بواقع العمل، إلى جانب التأكيد على أن الهدف ليس عسكرة مؤسسات الدولة، وإنما توفير مساحات مشتركة للتعايش والتدريب وتبادل الخبرات، بما يعزز فهم كل مؤسسة لدور المؤسسات الأخرى.

 

وفى الوقت نفسه، يفرض الإصلاح المؤسسى سؤالًا أكثر عمقًا: كيف تتحول التوجيهات إلى منظومة عمل قابلة للقياس؟ وكيف يصبح اختيار الكفاءات قائمًا على الجدارة، والتدريب مرتبطًا بالنتائج، والقيادة خاضعة لمؤشرات أداء واضحة؟ وهل يمكن أن يسهم بناء الوعي، إلى جانب التطوير الإدارى والرقمي، فى حماية مؤسسات الدولة من تأثير الشائعات والمعلومات المضللة؟

تحقيقات «الأهرام» ترصد آراء نخبة من الأكاديميين والخبراء وأعضاء مجلس النواب، للوقوف على ملامح المسار العملى لإصلاح مؤسسات الدولة وبناء الإنسان.

رسائل واضحة

أكد الدكتور حسان النعمانى، رئيس جامعة سوهاج، أن كلمة الرئيس السيسى خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية بالأكاديمية العسكرية المصرية، جاءت حاملة رسائل واضحة ومهمة بشأن مسار إصلاح مؤسسات الدولة، وأهمية بناء الإنسان وتأهيل الكوادر القادرة على تحمل المسئولية وأداء واجبها بكفاءة وإخلاص.

وأوضح النعمانى أن تأكيد الرئيس أن الدولة لا تستهدف عسكرة مؤسساتها، يعكس وضوح الرؤية فى التعامل مع عملية التطوير المؤسسي، وأن ما يتم من تدريب وتأهيل داخل الأكاديمية العسكرية المصرية يستهدف إكساب العاملين فى مؤسسات الدولة الخبرات والمهارات اللازمة، وإتاحة الفرصة للتعايش والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.

التحرك الجاد

وأضاف أن حديث الرئيس عن أهمية عامل الوقت فى تنفيذ الإصلاح المؤسسى يحمل دلالة مهمة، لأن تطوير المؤسسات يحتاج إلى التحرك الجاد والمنظم، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على دقة الإجراءات وجودة الأداء، بما يضمن تحقيق الإصلاح الحقيقى الذى ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة مؤسسات الدولة وقدرتها على القيام بدورها.

وأشار رئيس جامعة سوهاج إلى أن حديث الرئيس عن الوعى يمثل محورًا أساسيًا فى مواجهة التحديات التى تواجه الدولة المصرية، خاصة فى ظل محاولات نشر الشائعات والمعلومات المغلوطة والتأثير فى وعى المواطنين، مؤكدًا أن بناء الوعى الصحيح يبدأ من التعليم، وأن الجامعات تتحمل مسئولية كبيرة فى إعداد طالب يمتلك المعرفة والقدرة على التمييز والفهم الصحيح لما يدور حوله.

وأكد النعمانى أن رسالة الرئيس بشأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها تؤكد أن بناء الدولة مسئولية مشتركة، وأن قوة المؤسسات ترتبط بقدرة أبنائها على أداء واجباتهم وفق القانون، وبما يمتلكونه من علم وتدريب ووعى وإدراك لطبيعة المسئولية الوطنية.

ولفت إلى أن جامعة سوهاج تتوافق رسالتها مع هذه الرؤية، من خلال الجمع بين التأهيل الأكاديمى وبناء الشخصية وتنمية الوعي، بما يسهم فى إعداد كوادر قادرة على التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة، والمشاركة بصورة إيجابية فى مسيرة التنمية وبناء الجمهورية الجديدة.

مسار متكامل

من جانبه، أكد النائب طارق رضوان، عضو مجلس النواب، أن توجيهات الرئيس بشأن الإصلاح الحقيقى لمؤسسات الدولة تضع إطارًا واضحًا لمسار متكامل يستهدف رفع كفاءة مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء دورها بكفاءة، مشيرًا إلى أن الإصلاح المؤسسى لا ينبغى أن يقتصر على تطوير الهياكل والإجراءات، وإنما يجب أن يمتد إلى العنصر البشرى باعتباره الركيزة الأساسية لأى عملية تطوير مستدامة.

 

وقال رضوان إن ترجمة هذه التوجيهات إلى مسار عملى تتطلب تحديد أولويات واضحة، فى مقدمتها اختيار وتأهيل الكوادر وفق معايير الكفاءة والجدارة، وتطوير نظم العمل، وتعزيز التنسيق والتكامل بين مؤسسات الدولة، إلى جانب التوسع فى التحول الرقمى والحوكمة وقياس مؤشرات الأداء بصورة مستمرة، بحيث يكون المواطن هو المستفيد النهائى من عملية الإصلاح. وتنسجم هذه الرؤية مع توجيهات رئاسية سابقة بضرورة وضع مستهدفات وإجراءات وجداول زمنية ومؤشرات واضحة لقياس الأداء ومتابعة التنفيذ.

عامل الوقت

وأضاف أن عامل الوقت الذى أشار إليه الرئيس يمثل عنصرًا حاسمًا فى نجاح الإصلاح المؤسسي، خاصة أن بناء مؤسسات أكثر كفاءة لا يمكن أن يتم بقرارات سريعة أو حلول مؤقتة، وفى الوقت نفسه فإن طول الإجراءات دون نتائج ملموسة قد يضعف ثقة المواطن فى مسار التطوير. ومن ثم فإن المطلوب هو تحقيق معادلة متوازنة تقوم على سرعة الإنجاز فى الملفات التى يمكن تطويرها فورًا، مع منح الإصلاحات الهيكلية والتشريعية والمؤسسية الوقت الكافى للتنفيذ والتقييم والتصحيح.

 

وأوضح رضوان أن الدورات التدريبية والمعرفية يجب ألا تنتهى بمجرد حصول الموظف أو المسئول على شهادة اجتيازها، وإنما ينبغى أن تتحول إلى أدوات عملية داخل مؤسسات الدولة، من خلال متابعة أداء الخريجين، وربط ما تلقوه من تدريب بمهامهم الفعلية، وقياس مدى انعكاس ذلك على سرعة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وقد أكد الرئيس أهمية متابعة الخريجين لضمان اكتمال الهدف من هذه البرامج وتحويل المعرفة والتدريب إلى تماسك وفهم أعمق لعمل مؤسسات الدولة.

مساران متكاملان

وأشار إلى أن بناء الإنسان مسئولية مشتركة تتجاوز حدود الحكومة أو أى مؤسسة منفردة، فالأسرة تضع القيم الأساسية، والمدرسة والجامعة تصنعان المعرفة والقدرة على التفكير، والإعلام يسهم فى تشكيل الوعى العام، بينما يقع على المجتمع المدنى والمؤسسات المختلفة دور مهم فى تعزيز المشاركة والمسئولية والانتماء، مشددًا على أن الشباب يمثلون خط الدفاع الأول عن الوعى الوطني، وأن مواجهة الشائعات لا تكون فقط بالرد عليها بعد انتشارها، وإنما ببناء عقل قادر على التحقق والتفكير النقدى والتمييز بين المعلومة الموثقة والمحتوى المضلل. ويتطلب ذلك تعزيز الثقافة الرقمية والإعلامية، وتعليم الشباب كيفية مراجعة مصادر المعلومات، وعدم إعادة نشر الأخبار قبل التحقق منها، مع الاعتماد على البيانات والمصادر الرسمية عند التعامل مع القضايا العامة.

وأوضح أن الإصلاح المؤسسى وبناء الإنسان مساران متكاملان؛ فالمؤسسة القوية تحتاج إلى إنسان مؤهل وواعٍ، والإنسان المؤهل يحتاج إلى مؤسسة قادرة على توظيف قدراته، بما يعزز كفاءة الدولة ويرتقى بمستوى الخدمات ويكرس الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

رؤية متكاملة

ويرى اللواء الدكتور طارق خضر، أستاذ النظم السياسية بأكاديمية الشرطة، أن حديث الرئيس خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، يعكس رؤية متكاملة بشأن تطوير مؤسسات الدولة، تقوم على بناء الإنسان وتأهيل الكوادر وترسيخ التنسيق والتكامل بين مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة.

 

وأوضح خضر أن الإصلاح المؤسسى الحقيقى لا يمكن أن يتحقق من خلال قرارات منفردة أو إجراءات مؤقتة، وإنما يحتاج إلى مسار متدرج ومستمر، تتكامل خلاله عمليات التدريب والتأهيل مع تطوير نظم العمل ورفع كفاءة العنصر البشري، مشيرًا إلى أن عامل الوقت يمثل أحد العناصر الأساسية فى أى عملية إصلاح مؤسسي، خاصة فى الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة وتعدد مؤسساتها وأجهزتها.

وأضاف أن أهمية الدورات التى تنظمها الأكاديمية العسكرية المصرية لمختلف مؤسسات الدولة تتمثل فى إتاحة مساحة مشتركة للتفاعل والتعارف وتبادل الخبرات بين العاملين فى قطاعات وتخصصات متنوعة، بما يسهم فى تعزيز فهم طبيعة عمل كل مؤسسة، ويدعم التنسيق بينها، ويخلق رؤية أكثر شمولًا للمصلحة الوطنية.

ترسيخ قيم الانضباط

وأشار أستاذ النظم السياسية إلى أن توحيد جزء من المحتوى التدريبى بين الدارسين من مؤسسات مختلفة يمثل عاملًا مهمًا فى بناء ثقافة مؤسسية مشتركة، إلى جانب المحتوى التخصصى الذى تقدمه كل جهة وفقًا لطبيعة مهامها واحتياجاتها. وهذا التكامل بين المعرفة التخصصية والمعرفة العامة يساعد على إعداد كوادر أكثر قدرة على التعامل مع الملفات المتشابكة التى تتطلب تعاونًا بين أكثر من مؤسسة. مشددًا على أن بناء الإنسان لا يقتصر على الجانب المهنى أو الأكاديمى فقط، وإنما يمتد إلى ترسيخ قيم الانضباط والمسئولية واحترام القانون والعمل الجماعى والقدرة على الحوار، مؤكدًا أن الموظف العام يمثل جزءًا من منظومة الدولة، ومن ثم فإن تطوير قدراته وشخصيته ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات والأداء المؤسسي.

ولفت إلى أن حماية مؤسسات الدولة واستقرارها مسئولية مجتمعية مشتركة، وأن تعزيز الوعى الوطنى ينبغى أن يسير بالتوازى مع التطوير الإدارى والتكنولوجي، خصوصًا فى ظل التحديات التى تفرضها البيئة الرقمية وانتشار المعلومات غير الدقيقة وسرعة تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وأكد أن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى رفع مستوى الوعى لدى المواطنين، وخاصة الشباب، بحيث يمتلكون القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل، دون أن يتحول ذلك إلى حالة من العزلة عن الفضاء الرقمي، الذى أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.

وقال إن استمرار برامج التدريب والتأهيل، مع المتابعة الجادة للخريجين وقياس انعكاس ما تلقوه من معارف على واقع العمل، يمكن أن يشكل خطوة مهمة فى تطوير الأداء الحكومى والمؤسسي، موضحًا أن الإصلاح الناجح هو الذى يتحول من برامج تدريبية إلى ممارسة فعلية وثقافة عمل مستدامة، بما يدعم قدرة مؤسسات الدولة على أداء مهامها بكفاءة ويعزز ثقة المواطن فى منظومة العمل العام.

إصلاح مؤسسات الدولة

أكد الدكتور فادى مكاوي، أستاذ القانون الجنائى المصرى والخبير فى الشئون السياسية والاستراتيجية، أن حديث الرئيس السيسي، خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، وضع قضية إصلاح مؤسسات الدولة أمام المجتمع فى إطار مختلف؛ ليس باعتبارها قرارًا إداريًا عابرًا، وإنما باعتبارها مشروعًا ممتدًا لبناء الإنسان والمؤسسة والدولة.

وأوضح أن الرسالة الأهم التى توقف أمامها فى حديث الرئيس هى أن الإصلاح الحقيقى يحتاج إلى مسار جاد، وأن عامل الوقت حاسم فى نجاحه، مشيرًا إلى أن هذه رؤية واقعية؛ فالدولة التى تضم ملايين المواطنين ومؤسسات متعددة لا يمكن إعادة بناء منظومة العمل فيها بقرارات سريعة، وإنما من خلال تراكم مستمر يبدأ من اختيار الكفاءات، ويمر بالتأهيل والتدريب، ثم التطبيق والمتابعة وقياس النتائج.

وأضاف أن من هنا تبرز أهمية تجربة الأكاديمية العسكرية المصرية، التى أوضح الرئيس أن أحد أهدافها هو أن تكون معبرًا لتأهيل الكوادر لمؤسسات الدولة، وفق معايير واحدة وأكثر موضوعية، مع وجود برامج مشتركة تتيح للمتدربين من جهات مختلفة أن يتعايشوا ويتعرفوا بصورة أعمق على طبيعة عمل مؤسسات الدولة الأخرى.

 

وأشار مكاوى إلى أن القيمة الحقيقية للتجربة تبدأ بعد انتهاء الدورة، وليس عند لحظة التخرج، موضحًا أن المعيار الحقيقى للنجاح ليس عدد من تلقوا التدريب، وإنما ماذا أضاف هؤلاء إلى مؤسساتهم؟ وهل انعكس ما تلقوه من علم وتأهيل على جودة القرار، والانضباط المؤسسي، وكفاءة الأداء، واحترام القانون، والقدرة على تحمل المسئولية؟

متابعة الخريجين

وشدد على أن المسار التنفيذى للإصلاح يجب أن يقوم على أربعة أركان مترابطة: اختيار الكفاءة، وتأهيل موحد، وتطبيق فعلي، ثم متابعة وتقييم مستمر. لافتًا إلى أن إشارة الرئيس إلى ضرورة متابعة الخريجين كانت مهمة للغاية؛ لأن الإصلاح المؤسسى لا يكتمل بمجرد إعداد الكادر، وإنما باكتشاف أثر هذا الإعداد داخل المؤسسة التى يعمل بها.

كما أكد أن عامل الوقت لا ينبغى أن يُفهم باعتباره مبررًا للتأجيل، وإنما باعتباره عنصرًا أساسيًا فى خطة الإصلاح، موضحًا أن بناء الإنسان يحتاج إلى وقت، وبناء المؤسسات يحتاج إلى تراكم، وترسيخ ثقافة جديدة فى العمل العام يحتاج إلى أجيال متتابعة.

وأوضح أن الرسالة الأعمق فى حديث الرئيس هى أن الدولة لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، وإنما بالمؤسسات والمعايير والقواعد التى تستمر بعد الأشخاص. وأننا أمام مشروع هدفه أن يتحول التدريب إلى أداء، والأداء إلى ثقافة مؤسسية، والثقافة إلى نتائج حقيقية يشعر بها المواطن. وأكد أن قيمة ما طُرح تتمثل فى أن نبدأ الآن، وأن نضع معايير واضحة، وأن نحافظ عليها، وأن نتابع نتائجها؛ لأن إصلاح مؤسسات الدولة ليس سباقًا مع الزمن، وإنما هو بناء للمستقبل.

حوكمة الاختيار

وفى سياق متصل، أكدت الدكتورة شيرين حامد أبو وردة، أستاذة إدارة الأعمال والتسويق المستدام وعميدة كلية التجارة السابقة بجامعة كفر الشيخ، أن ترجمة رؤية الرئيس بشأن الإصلاح الحقيقى لمؤسسات الدولة تتطلب امتلاك الجرأة للاعتراف بأن الجهاز الإدارى واجه على مدار عقود تحديات هيكلية متراكمة، أدت فى بعض الأحيان إلى تراجع كفاءة الأداء التنظيمي.

وأوضحت أن من أبرز هذه التحديات غياب الآليات المميكنة والموضوعية فى الاختيار، أو جنوح بعض لجان الترشيح نحو تبادل التزكيات والمصالح الفئوية الضيقة، بما قد يؤدى إلى إقصاء الكفاءات الحقيقية وتراجع جودة المخرج الإدارى العام، مشيرة إلى أن هذا الوضع لا يمثل مجرد خلل إجرائى عابر، وإنما تحدٍ استراتيجى يؤثر مباشرة على كفاءة الإنفاق الاقتصادي، وينعكس على رضا المواطنين ومستوى الثقة المجتمعية فى الخدمات الحكومية.

وقالت إن ترجمة هذه الفلسفة الرئاسية إلى «مسار جاد» ترتكز بالأساس على تفعيل حزمة من سياسات التطوير المؤسسى المستدام، التى تستهدف إعادة هندسة الإجراءات وحوكمة منظومة العمل الإدارى بالكامل، من خلال أربعة إجراءات حاسمة.

وأضافت أن الإجراء الأول يتمثل فى حوكمة منظومة الاختيار عبر مسار التقييم الإلكترونى الموحد، لحماية لجان ترشيح القيادات من التدخلات البشرية والمجاملات، من خلال إقرار نظام موضوعى لاختيار القيادات، يعتمد على اختبارات إلكترونية ومقابلات مهنية تضمن فرز الجدارات المهنية وتحقيق تكافؤ الفرص.

ترسيخ النزاهة

وأشارت إلى أن الإجراء الثانى يرتكز على الإدارة بالأهداف والجداول الزمنية الصارمة، بحيث يرتبط قرار التعيين فى أى منصب قيادى بتقديم وثيقة استراتيجية ملزمة لتطوير القطاع، تتضمن مستهدفات محددة كميًا ومددًا زمنية دقيقة، مع إخضاع المسئول لتقييم ربع سنوى وسنوى يستند إلى مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) والأدلة الرقمية الملموسة، بحيث يصبح تجديد التكليف أو الإعفاء مرتبطًا بحجم الإنتاجية والمخرجات الفعلية ومدى الالتزام بالخطة الزمنية.

وأكدت أن الإجراء الثالث يتمثل فى ترسيخ النزاهة السلوكية وقياس رضا المتعاملين، خاصة فى ضوء التحذير من الاستعلاء بالمناصب أو الوظائف أو بأى صورة من صور الشعور بالاستقامة، مشددة على ضرورة حظر كافة أشكال التعالى الوظيفي، وقياس رضا المواطنين عن مستوى الخدمة وحسن المعاملة وسرعة الإنجاز، إلى جانب استطلاعات رأى سرية للموظفين تقيس عدالة القيادات، وتوفير آليات إلكترونية آمنة وسرية للإبلاغ عن أى ظلم أو تجاوز دون خوف من الانتقام.

ولفتت إلى أن الإجراء الرابع يتعلق باستثمار الكوادر المؤهلة بالأكاديمية العسكرية كغرف عمليات لحل المشكلات ودعم الاستثمار، من خلال الاستفادة من الكوادر الشابة التى تلقت تدريبًا موحدًا ومشتركًا من مختلف الجهات التنفيذية والقانونية والرقابية، ودمجها فى فرق عمل دائمة وغرف عمليات مرنة داخل المجمعات الحكومية، لتعمل كمراكز متكاملة لحل المشكلات المعقدة وتذليل عقبات المستثمرين وإنهاء التراخيص ومصالح المواطنين بكفاءة ومرونة. وشددت على أن هذا النهج يسهم فى القضاء على ظاهرة «الجزر المنعزلة» داخل الجهاز الإداري، ويضمن اختصار زمن المعاملات ورفع كفاءة الأداء الوطني، من خلال تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.

 

وحول الأولويات الحتمية للتطبيق الفوري، أوضحت أن البداية ينبغى أن تتركز فى تطوير القطاعات الخدمية والاقتصادية الحيوية، من خلال تطبيق ضوابط الإصلاح فى قطاعات المحليات والصحة والتموين وهيئات تنظيم الاستثمار، باعتبارها قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالحياة اليومية للمواطن وبكفاءة استخدام موارد الدولة ودعم مسيرة التنمية.

تمكين الكوادر

كما أكدت أهمية حماية وتمكين الكوادر الشابة فى الخطوط الأمامية، وإسناد إدارة المكاتب الأمامية التى تتعامل مباشرة مع الجمهور إلى الكوادر المؤهلة، مع منحها الصلاحيات والحماية القانونية والإدارية اللازمة، بما يضمن تطبيق أساليب الإدارة الحديثة بكفاءة، ومواجهة أى عوائق بيروقراطية قد تحول دون تحسين الأداء.

 

وقالت إن معركة الإصلاح الإدارى ليست مجرد إجراءات تنظيمية، وإنما هى معركة حقيقية لبناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق أهداف الدولة، موضحة أن القرار التنظيمى غير المنضبط والمبنى على المجاملة يضر بكفاءة المؤسسات، بينما يمثل القرار السليم والنزيه والقائم على الكفاءة أساسًا متينًا لرفع كفاءة الأداء المؤسسى ودعم استقرار الوطن ومسيرته التنموية.

التأهيل الكامل للموظف

ويرى الدكتور أحمد صفوت السنباطي، الخبير القانونى وزميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، أن إعداد الموظف العام فى ظل التطورات المتسارعة والتحديات المتشابكة لم يعد مجرد إجراء إدارى أو عملية تستهدف نقل المعلومات، وإنما أصبح ضرورة أساسية لبناء مؤسسات دولة قادرة على أداء مسئولياتها بكفاءة وتحقيق أهداف التنمية وخدمة المواطنين.

وأوضح أن التأهيل الحقيقى للموظف العام يجب أن يقوم على منظومة متكاملة تجمع بين التأهيل العلمى والمهنى وبناء الشخصية المتوازنة وترسيخ القيم، مشيرًا إلى أن الجانب العلمى يمنح الموظف المعرفة القانونية والفنية اللازمة لفهم القوانين واللوائح وتحليل المشكلات واتخاذ القرارات الرشيدة، بينما يسهم التأهيل المهنى فى تطوير مهارات الإدارة والتخطيط والتنفيذ والمتابعة.

وأضاف أن المعرفة والمهارة لا تكتملان دون منظومة قيمية راسخة، لأنها تمثل الضابط الذى يوجه ممارسة السلطة ويحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الصلاحيات والمسئوليات، مؤكدًا أن المواطن يجب أن يظل محور أداء الجهاز الإداري، وأن الوظيفة العامة مسئولية وطنية قبل أن تكون مجرد عمل. وشدد السنباطى على أهمية الاستفادة المستمرة من خريجى دورات الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدم اعتبار انتهاء الدورة نهاية عملية التأهيل، وإنما بداية لمرحلة جديدة من التطبيق والمتابعة. واقترح إنشاء منظومة مستمرة لتقييم أثر التدريب وربط ما اكتسبه الخريج من معارف ومهارات بأدائه داخل مؤسسته.

نقل الخبرات

وأشار إلى أهمية تكليف الخريجين بمشروعات تطبيقية ونقل خبراتهم إلى زملائهم، وإنشاء قاعدة بيانات متكاملة للخريجين للاستفادة من تخصصاتهم، إلى جانب عقد لقاءات دورية لتقييم نتائج التدريب ورصد الفجوات بين الجانب النظرى والتطبيق العملي، مؤكدًا أن تحويل الخريجين المتميزين إلى نواة تدريبية داخل مؤسساتهم، وتشجيعهم على تقديم مقترحات وبحوث تطبيقية، يمثلان آلية فعالة لمضاعفة العائد من التدريب، بما يحول دورات الأكاديمية إلى مسار مستدام لتطوير الأداء المؤسسى وصناعة الكفاءات والقيادات القادرة على تحمل المسئولية وخدمة الوطن والمواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى