«Plastic Inc».. كتاب يروي تاريخ وأسرار رهان شركات النفط العالمية على البلاستيك

«Plastic Inc».. كتاب يروي تاريخ وأسرار رهان شركات النفط العالمية على البلاستيك
«جاردينر»: إنتاجه تجاوز 500 مليون طن سنويًا.. وشركات الوقود الأحفورى تعمل على زيادته
نظرة صغيرة حولنا ستجعلنا نكتشف أن البلاستيك موجود فى كل تفاصيل حياتنا، فى الأدوات المنزلية، والإلكترونيات والتكنولوجيا، أدوات التغليف، والسيارات وحتى الملابس والأقمشة وغيرها من المنتجات، لدرجة أننا ربما لا نتخيل كيف كانت الحياة قبل ظهور هذه المادة التى تعددت المصادر والتواريخ حول ظهورها.
والأغلب يجمع أن بداياتها، على الأرجح، تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، مع ظهور مواد أولية مثل «باركسين» والتى اكتشفها العالم ألكسندر باركس عام 1862 والتى مهدت لظهور الباكليت كأول بلاستيك صناعى.

والتحول الحقيقى جاء فى منتصف القرن العشرين حين دخل البلاستيك مرحلة الإنتاج الضخم، وأصبح مادة رخيصة ومتاحة على نطاق عالمى
ومع هذا الانتشار الواسع للبلاستيك وتجاوز مرحلة الانبهار به كمادة سهلت الحياة اليومية وساهمت فى إحداث ثورة صناعية وخلقت رغبات استهلاكية متزايدة.
وبدأت مرحلة البحث خلف هذه المادة وآثارها البيئية والصحية وشبكة المصالح الدولية الكبيرة التى تقف وراء استمرار الإنتاج والاستهلاك الضخم للبلاستيك وهو ما تناوله كتاب «Plastic Inc: The Secret History and Shocking Future of Big Oil’s Biggest Bet شركة البلاستيك.. التاريخ السرى والمستقبل الصادم لأكبر رهان لشركات النفط الكبرى» للصحفية الأمريكية بث جاردينر.
طبقا للكاتبة فإن البولى إيثلين لم يكن أول بلاستيك؛ ففى منتصف القرن التاسع عشر، كان طلب المستهلكين على العاج المستخدم فى مفاتيح البيانو وقطع الشطرنج ومقابض السكاكين وكرات البلياردو وغيرها سببا فى ذبح الأفيال بشكل واسع؛ لذلك فى ستينيات القرن التاسع عشر، عرضت شركة فى نيويورك 10 آلاف دولار لأى شخص يمكنه ابتكار مادة بديلة للعاج.
وبالفعل بدأ جون ويسلى مدير مطبعة فى شمال ولاية نيويورك بصناعة كرات مكونة من قصاصات القماش والورق والخشب ومغطاة بجل يستخدم لحماية الجلد من حروف الرصاص الساخنة وكانت المشكلة الوحيدة هى صوت الانفجارات الصغيرة التى تحدث عندما تصطدم الكرات ببعضهما.

وفى كتابها «شركة البلاستيك» توضح بث جاردينر أن صناعة البلاستيك كانت سببا فى الترويج لفكرة «الاستهلاك القائم على التخلص من المنتجات القديمة»؛ إذ بدأت الشركات تستهدف الأجيال التى خرجت من الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، وتعمل على تغيير نمط استهلاكهم من التوفير واستخدام المنتجات التى تعيش العمر كله، إلى استخدام المنتجات البلاستيكية التى تتميز بالعصرية والمتانة ويمكن التخلص منها واستبدالها بسهولة، وهو نمط استهلاكى يخلق لدى المستهلك حاجة دائمة، الأمر الذى يزيد من عمل الشركات واستمرار أرباحها.
وبمرور الوقت بدأت الفكرة تتبلور بشكل أوضح لتسود ثقافة «الاستخدام لمرة واحدة ثم التخلص من المنتج» حتى أصبحت الآن-تبعا للكاتبة -نصف منتجات البلاستيك المصنعة صالحة للاستخدام مرة واحدة فحسب، ورغم ما تسببه تلك الثقافة فى زيادة حجم النفايات لكن ضغط الشركات يقف أمام تحميلها المسؤولية المباشرة.
والمثير أن تلك الشركات مولت حملات إعلامية قوية لإقناع الناس بأن المشكلة المتعلقة بالنفايات تقع على عاتقهم، وأن الحل هو إعادة التدوير، رغم أن معظم أنواع البلاستيك لا يمكن إعادة تدويرها فعليا، كما أن إعادة التدوير فى حد ذاتها حلا شكليا، وربما هو فى النهاية فى صالح الشركات المصنعة.
وعندما حاولت مدينتا مينيابوليس وسانت بول عام 1989 حظر بعض أنواع التغليف البلاستيكى، تدخلت جماعات الصناعة للترويج لإعادة التدوير بدلا من الحظر، ولم ينفذ القرار فى النهاية، وحتى عام 2017، لم تتم إعادة تدوير سوى حوالى 9٪ من النفايات البلاستيكية.

وأوضحت «جاردينر» أن فكرة إعادة التدوير ساهمت فى التوسع فى صناعة البلاستيك دون تحمل تكاليف معالجة النفايات، واستثنت الكاتبة من ذلك زجاجات المشروبات الغازية، التى يمكن إعادة تدويرها بسهولة نسبيا، إلا أن قوانين استرجاع الزجاجات مقابل مبالغ مالية، والتى تشجع على إعادة التدوير، تم تعطيلها فى كثير من الأماكن بسبب ضغوط شركات الصناعة.
وفى مراجعتها، ذكرت نيويورك تايمز، أن كتاب «شركة البلاستيك» أوضح أن مرونة البلاستيك جعلت منه مادة أساسية فى الاقتصاد الحديث، كما أن زيادة إنتاج المنتجات البلاستيكية تتم بالتوازى مع انتشار ثقافة تعتبر المنتجات البلاستيكية ذات قيمة قليلة.
ومن الممكن استخدامها لمرة واحدة ثم التخلص منها؛ فالشركة الشهيرة «شى إن» تنتج أكثر من مليون تصميم مختلف سنويا، تُصنع من بوليستر مشتق من الوقود الأحفورى، ومصيرها الاستخدام مرة أو مرتين ثم التخلص منها، كما يتم استخدام أكثر من 500 مليار زجاجة بلاستيكية سنويا، ويتم شحن مليار لعبة «بطة الاستحمام» البلاستيكية إلى أحواض استحمام فى دول مختلفة، ورغم كل محاولات التغيير، يتم إنتاج ما بين تريليون إلى خمسة تريليونات كيس بلاستيكى سنويا، بمتوسط استخدام لا يتجاوز 12 إلى 15 دقيقة.
وأوضحت الكاتبة أن البلاستيك فى بدايته كان وسيلة لشركات النفط والغاز لاستخراج قيمة مضافة من النفط الخام، لكن اليوم تغير الحال وأصبحت الشركات ترى فى البلاستيك وسيلة لحماية أرباحها فى عالم يواجه تبعات أزمة المناخ الناتجة عن الوقود الأحفورى، وتسعى إلى زيادة إنتاجه بشكل كبير.
بث جاردنر
وتبعا للكتاب فإن «الأمر ليس سرا» بل خطة معلنة بوضوح من الصناع تفيد بأنها تستطيع تعويض انخفاض متوقع فى الطلب على الوقود فى المستقبل من خلال التوسع فى قطاع الكيماويات، وتصنيع تقريبا أى منتج منزلى من البلاستيك، والأهم فى تنفيذ هذه الفكرة هى الترويج لمفهوم إعادة التدوير.
واستشهدت الكاتبة على ذلك بأن حركات حماية البيئة المبكرة فى السبعينيات كانت تناضل ضد جميع أنواع النفايات وكان البلاستيك فى مقدمتها، لكن الصناعة ردت من خلال الترويج لمفهوم إعادة التدوير ونقل مسؤولية التعامل مع القمامة بشكل صحيح إلى المستهلك.
وبدأت بعض الشركات الكبرى فى ضخ أموال لمنظمات مكافحة النفايات فى بريطانيا وأستراليا وفرنسا وكان شعارها: «الناس يسببون التلوث.. والناس يمكنهم إيقافه»، وهى الحملة التى تجدها سببا فى تحويل مشكلة نظام إلى مشكلة فردية، فإذا أمكن إقناع الأمريكيين بقبول فكرة «المسؤولية الفردية»، فإن ذلك سيعنى أن القوانين لن تسن، ولن تتدخل الحكومة، وستستمر الصناعة فى الإنتاج وفق شروطها وبما يخدم مصالحها الخاصة.
وأكدت الكاتبة، أن شركات الوقود الأحفورى التى كانت تخفى فى السابق التأثيرات المستقبلية لنشاطها على المناخ كانت تخفى أيضا الأبحاث المتعلقة بأضرار البلاستيك، مشيرة إلى أنه فى عام 1950 كان الإنتاج العالمى من البلاستيك حوالى 2 مليون طن، واليوم تجاوز 500 مليون طن سنويا.
وتعكس هذه الزيادة خطة الشركات وهى أن المزيد من البلاستيك يعنى المزيد من المال خاصة وأن البلاستيك ليس سلعة غالية، لذلك يعتمد الربح على الحجم الكبير من الإنتاج. وخلال آخر 20 سنة، تضاعف الإنتاج، والخطة هى زيادته أكثر فى المستقبل.
وتبعا لما ذكرته «نيويورك تايمز» فى مراجعتها للكتاب، ففى العام الماضى، قدر باحثون فى جامعة نيومكسيكو، أثناء دراستهم لعينات دماغ أكثر من عشرين شخصا توفوا عام 2024، أن دماغ كل شخص يحتوى على حوالى 7 جرامات من البلاستيك أى ما يعادل تقريبا حجم ملعقة بلاستيكية كاملة، كما وجدوا أن الأشخاص الذين عانوا من الخرف كان لديهم كمية أكبر من البلاستيك فى أدمغتهم مقارنة بغيرهم، وسيستغرق العلماء سنوات لفهم العواقب الصحية لهذه الجسيمات الاصطناعية داخل أنسجتنا، وعند مقارنة أدمغة عام 2024 بأدمغة أشخاص توفوا قبل ثمانى سنوات، تبين أن الأجسام الأحدث احتوت على ما يقارب 50٪ أكثر من البلاستيك.
وفى حوارها خلال بودكاست «فريش إير»، قالت الكاتبة إن أحد أكثر الأمور صدمة بالنسبة لها اكتشافها أنه فى الولايات المتحدة لا يطلب إثبات أن المادة الكيميائية آمنة قبل طرحها فى السوق، وإذا كنت شركة أدوية أو مبيدات، عليك المرور بإجراءات صارمة لإثبات السلامة.
وأضافت أنه بالنسبة للمواد الكيميائية المستخدمة فى البلاستيك والتغليف والألعاب، فالأمر مختلف تماما، وذلك تبعا لقانون «التحكم فى المواد السامة» الصادر عام 1976، والمشكلة الأساسية فيه أنه يعتمد مبدأ: «المادة بريئة حتى تثبت إدانتها»، أى أن الشركة لا تحتاج لإثبات أن المادة آمنة، بل على الحكومة أن تثبت أنها خطيرة.
وأوضحت جاردينر، أنه ليس من الممكن عمليا أن يعيش الإنسان حياة خالية تماما من البلاستيك، كما أنه من الصحيح أن صناعة البلاستيك تستخدم حجة متكررة عندما يتم انتقادها، وهى أن البلاستيك له استخدامات ضرورية ومفيد جدا، مثل استخدامه فى الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، وجعله السيارات والطائرات أخف وزنا وأكثر كفاءة فى استهلاك الوقود، فضلا عن استخدامه فى المجال الطبى.
وأشارت إلى أن المشكلة أن هذه الحجة تستخدم لتصوير القضية وكأنها إما أن نقبل كل البلاستيك أو نرفضه بالكامل وتؤكد الكاتبة أن مهمتها ليسا تقديم الحلول الجاهزة لكن طرح القضية، وأننا لسنا بحاجة إلى التخلص من كل البلاستيك، لكن يمكننا بسهولة تقليل استخدامه بشكل كبير؛ فهناك كمية ضخمة من البلاستيك حولنا غير ضرورية ويمكن الاستغناء عناه دون أن نشعر بأى خسارة، مقدمة مثالا بأنه إذا فرضنا رسوما صغيرة على الأكياس البلاستيكية مثل 5 سنت سينخفض استخدامها بنسبة تصل إلى 90٪ وهذا يدل على أن تقليل الاستهلاك ممكن جدًا، ولن يؤثر كثيرا على حياتنا.
يذكر أن يث جاردينر صحفية أمريكية مقيمة فى لندن، شاركت بالكتابة فى عدد من وسائل الإعلام الهامة منها نيويورك تايمز، والجارديان، وناشونال جيوجرافيك، وواشنطن بوست، ولسنوات طويلة كانت مراسلة لوكالة أسوشيتد برس واختارت الجارديان كتابها الأول Choked: Life and Breath in the Age of Air Pollution «مختنقون: الحياة والتنفس فى عصر تلوث الهواء»، كواحد من أفضل كتب عام 2019، ووصل إلى القائمة النهائية لجائزة Science in Society book award. التى تمنحها الرابطة الوطنية لكتاب العلوم.



