علاء عبدالله يكتب: جسور المحبة في فكر علي الشرفاء.. حين تتجاوز الإنسانية حدود الاختلاف
يطرح د. جرجس عوض في مقاله رؤية إنسانية وفكرية تقوم على فكرة أساسية مفادها أن الاختلاف بين البشر سواء كان دينيًا أو فكريًا، لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للكراهية والصراع بل يمكن أن يكون مساحة للتعارف والحوار، وينطلق الكاتب من أفكار المفكر العربي الدكتور محمد الشرفاء الحمادي ليؤكد أهمية الانتقال من بناء الحواجز بين الناس إلى إقامة جسور تجمعهم.
ويتميز المقال بأنه يتناول قضية التعايش من منظور مسيحي واضح مستشهدًا بتعاليم السيد المسيح حول محبة الأعداء وصناعة السلام، ومن خلال هذه المرجعية، يوضح الكاتب أن المحبة ليست مكافأة يحصل عليها من يتفق معنا وإنما قيمة إنسانية ينبغي أن تمتد إلى المختلف في الدين أو الفكر أو الموقف، وهنا تصبح المحبة موقفًا وسلوكًا يوميًا وليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات.
ومن أبرز الأفكار التي يركز عليها المقال التمييز بين محبة السلام وصناعة السلام، فمحبة السلام قد تظل مجرد أمنية أو موقف نظري بينما صناعة السلام تتطلب فعلًا حقيقيًا يقوم على الحوار والتسامح واحترام الآخر ورفض خطاب الكراهية، ويرى الكاتب أن هذه الفكرة تتقاطع مع الطرح الذي ينسبه إلى علي الشرفاء الحمادي، والذي يجعل نشر المحبة والسلام جزءًا من مشروع يتجاوز حدود الانتماءات الدينية والطائفية.
كما يلفت المقال إلى أن التعايش لا يعني إلغاء الاختلاف أو مطالبة الإنسان بالتنازل عن عقيدته وقناعاته، فالمسيحي يستطيع أن يعتز بإيمانه، والمسلم يستطيع أن يعتز بدينه، لكنهما يستطيعان في الوقت نفسه الالتقاء حول قيم إنسانية مشتركة، مثل الكرامة والرحمة والعدل والسلام والوطن ورفض الظلم، وهذه النقطة تمنح المقال بعدًا مهمًا لأنها تطرح التعدد باعتباره أمرًا يمكن التعامل معه بالحوار بدلًا من تحويله إلى مصدر للتنازع.
ويحذر الكاتب كذلك من خطورة استخدام الدين لإهانة الآخرين أو تكفيرهم أو ممارسة العنف والكراهية ضدهم، مؤكدًا أن المشكلة في هذه الحالة لا تكون في الدين، وإنما في سوء فهم الإنسان له واستغلاله للمقدس من أجل تبرير سلوكيات تتناقض مع القيم الإنسانية، ويضع المقال مجموعة من الأسئلة أمام القارئ حول مدى انعكاس الإيمان على سلوكه وهل يرى الآخر فيه إنسانًا محبًا أم خصمًا دائمًا.
وتبرز في المقال أيضًا قضية وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها مساحة يمكن أن تنتشر فيها الإساءة والتحريض والخطاب الطائفي بسرعة، ومن هنا تأتي الدعوة إلى تحمل المسؤولية عن الكلمات والمواقف، لأن الإساءة إلى الآخر لا تضر بالمجتمع فقط، وإنما يمكن أن تسيء أيضًا إلى صورة الدين والثقافة والإنسان نفسه.
أما الصورة التي يرسمها الكاتب لعلي الشرفاء الحمادي، فتتمحور حول فكرة الجسر؛ أي الشخصية التي تسعى إلى تقريب المسافات بين المختلفين بدلًا من توسيعها، ويستخدم المقال هذه الصورة بشكل متكرر للتأكيد على أن الكلمة الطيبة، ومد اليد للآخر، ورفض الفتنة، واختيار الحوار بدلًا من التجريح، كلها خطوات عملية لبناء السلام.
وفي خاتمته، يصل المقال إلى رسالة واضحة: الإنسان أكبر من الخلاف، والوطن أوسع من الطائفة، والمحبة أقوى من الكراهية، والسلام يحتاج إلى شجاعة وليس ضعفًا، وبذلك لا يقدم المقال حديثًا عن التعايش باعتباره فكرة مثالية بعيدة عن الواقع، بل يربطه بسلوكيات يمكن أن تبدأ من طريقة حديث الإنسان عن المختلف معه.
والقراءة الأوسع للمقال تكشف أنه يدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات؛ فبدلًا من جعل الاختلاف الديني سببًا للانقسام، يمكن وضع الإنسانية المشتركة في المقدمة، مع احتفاظ كل طرف بعقيدته وقناعاته، ومن هذه الزاوية، يقدم الكاتب فكر علي الشرفاء الحمادي باعتباره دعوة إلى الانتقال من الجدران إلى الجسور ومن الخصومة إلى الحوار، ومن الكراهية إلى المحبة.



