مقالات

علاء عبدالله يكتب: لماذا لم يتحقق “الرجوع إلى الله”؟.. علي محمد الشرفاء يضع إصبعه على أصل الأزمة

يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي سؤالًا شديد الأهمية يتجاوز التكرار المعتاد لعبارة “الرجوع إلى الله” ليبحث في مضمونها وطريق الوصول إليها، فالدعوة إلى العودة إلى الله ظلت حاضرة لعقود طويلة في الخطاب الديني، لكن الواقع الإسلامي لم يشهد بالقدر نفسه تحولًا يوازي هذا النداء بل استمرت الانقسامات والصراعات والأزمات الاجتماعية والسياسية، ومن هنا تنطلق الفكرة المركزية للشرفاء الحمادي وهي أن المشكلة ليست في مبدأ الرجوع إلى الله، وإنما في تحديد الطريق الذي يعتقد الإنسان أنه يقوده إلى الله.

تنقل هذه الفكرة النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى المرجعية، فبدل أن يظل الحديث عن “العودة” مجرد دعوة عامة، يصبح السؤال أكثر تحديدًا: العودة إلى ماذا؟ ومن أين يستمد الإنسان فهمه للدين؟ وهل تكون نقطة الانطلاق من القرآن الكريم باعتباره الوحي الإلهي، أم من منظومات بشرية تراكمت عبر التاريخ من مذاهب وشروح وتفسيرات وروايات واجتهادات؟

ويعتمد النص على مجموعة من الآيات القرآنية لإسناد هذه الرؤية، خصوصًا الآيات التي تدعو إلى اتباع ما أنزل الله والتحذير من اتباع السبل التي تؤدي إلى التفرق، وهنا تظهر ثنائية مهمة في البناء الذي يقدمه المقال: طريق واحد في مقابل طرق متعددة، ومرجعية جامعة في مقابل مرجعيات متشعبة، وبحسب هذه الرؤية، فإن اتساع دائرة المرجعيات الدينية المتنافسة أدى إلى انتقال مركز الاهتمام من النص القرآني إلى ما كتب حوله، حتى أصبح الخلاف بين البشر جزءًا من المشهد الديني نفسه.

لكن أهمية الفكرة لا تتوقف عند نقد تعدد المرجعيات، وإنما تمتد إلى محاولة تفسير حالة التمزق التي أصابت المجتمعات الإسلامية، فالنص يربط بين وحدة المرجعية ووحدة المجتمع، ويرى أن التفرق الفكري والديني يمكن أن ينعكس على الواقع الاجتماعي والسياسي، بما يفتح الباب أمام الصراع والضعف والتدخل الخارجي، ومن هذه الزاوية، تصبح العودة إلى القرآن مشروعًا لإعادة بناء الوعي قبل أن تكون مجرد شعار ديني.

واللافت أن النص لا يقدم “العذاب الأدنى” بوصفه عقوبة فقط وإنما يقرأه باعتباره فرصة للمراجعة والعودة، وهذه زاوية فكرية مهمة؛ لأن الأزمات التي تمر بها المجتمعات وفق هذا التصور، يمكن أن تتحول إلى لحظة لاكتشاف الأخطاء وإعادة النظر في المسار، فالأزمة ليست بالضرورة نهاية الطريق، بل قد تكون إنذارًا يدفع الإنسان والمجتمع إلى مراجعة علاقتهما بمنهج الله.

ومن هنا تأتي أهمية الربط بين الهداية والسلوك، فالعودة إلى القرآن لا ينبغي أن تعني مجرد الإكثار من التلاوة أو حفظ النصوص، وإنما أن يتحول القرآن إلى مرجعية للقيم والمبادئ التي تحكم حياة الإنسان وفي مقدمتها العدل والرحمة والإحسان والحرية ونبذ الظلم والتطرف، أي أن القيمة الحقيقية للعودة تظهر في آثارها على الواقع وليس في مجرد إعلانها.

ويطرح النص كذلك قضية العلاقة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن باعتبارها إحدى النقاط التي يستند إليها التصور الفكري الذي يعرضه، فالقرآن يصف الوحي بأنه هداية ورحمة ويقدم النبي باعتباره مبلغًا للرسالة، ومن ثم يحاول الطرح التأكيد على مركزية الكتاب في تحديد مضمون الرسالة الإلهية ومرجعيتها.

وهنا تحديدًا تكمن واحدة من أكثر القضايا حساسية في المقال؛ إذ لا يكتفي الطرح بالدعوة إلى تدبر القرآن وإنما يذهب إلى إعادة ترتيب العلاقة بين القرآن وبين التراث الديني المتراكم، وهذا يجعل النص أقرب إلى مشروع نقد فكري للخطاب الديني يسعى إلى إعادة النظر في مصادر التلقي وكيفية بناء الفهم الديني بدلًا من الاكتفاء بترديد الموروث دون مساءلة.

كما أن استدعاء قصص الأمم السابقة في القرآن يأتي في سياق محاولة قراءة التاريخ باعتباره سننًا متكررة، فالظلم والاستعلاء والإعراض عن الهداية ليست، وفق هذه الرؤية، ظواهر مرتبطة بزمن بعينه، وإنما أسباب يمكن أن تقود إلى نتائج متشابهة متى تكررت مقدماتها، وبالتالي يصبح التاريخ القرآني أداة لفهم الحاضر، وليس مجرد أحداث انتهت بانتهاء أصحابها.

ومن أهم ما يلفت الانتباه في النص أن الدعوة إلى العودة لا تحمل في نهايتها خطابًا مغلقًا أو قائمًا على اليأس بل تؤكد أن باب المراجعة لا يزال مفتوحًا، وهذه الرسالة تمنح الطرح بعدًا إصلاحيًا؛ فالإنسان والمجتمع قادران على تغيير المسار متى امتلكا الشجاعة لمراجعة الأفكار والمرجعيات والسلوكيات التي قادتهما إلى الأزمات.

وفي المحصلة، يقدم النص رؤية تعتبر أن أزمة المجتمعات لا تبدأ بالضرورة من السياسة أو الاقتصاد، وإنما يمكن أن يكون لها جذور أعمق في طريقة بناء الوعي وفهم الدين، ومن هنا تصبح العودة إلى القرآن، في التصور الذي يعرضه المقال، مشروعًا لإعادة تأسيس الوعي على مرجعية واحدة، وإعادة وصل الدين بقيمه الكبرى بدلًا من تحويله إلى ساحة صراع بين الفرق والمذاهب والاتجاهات.

والرسالة الأبرز التي يتركها هذا الطرح أن “الرجوع إلى الله” لا ينبغي أن يبقى عبارة تتكرر في الخطب والمواعظ، بل سؤالًا حقيقيًا عن الطريق والمنهج والمرجعية، فإذا كان القرآن يدعو إلى الهداية والعدل والرحمة، فإن الاختبار الحقيقي لأي خطاب ديني هو مدى قدرته على إنتاج إنسان أكثر عدلًا ورحمة، ومجتمع أكثر تماسكًا، ووعي أكثر قدرة على مواجهة التطرف والانقسام.

وهكذا يتحول المقال من مجرد حديث عن العودة إلى الله إلى دعوة لمراجعة الطريق الذي تسلكه الأمة في بحثها عن هذه العودة، وهي مراجعة تضع القرآن في مركز النقاش، وتدعو إلى الانتقال من كثرة الحديث عن الهداية إلى اختبار نتائجها في حياة الإنسان والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى