علاء عبدالله يكتب: الشماتة في الموت تكشف أزمة الأخلاق.. دعوة للعودة إلى قيم القرآن والإنسانية
يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “الشامتون في الميتين” ملفًا أخلاقيًا يتجاوز واقعة الشماتة في الموت إلى سؤال أوسع يتعلق بصورة التدين وأثره الحقيقي في سلوك الإنسان، فالمقال لا يتوقف عند إدانة السخرية أو التشفي في مصائب الآخرين، وإنما يطرح مفهومًا متكاملًا يرى أن جوهر الإيمان يجب أن ينعكس على التعامل اليومي، وعلى رأسه احترام الإنسان والابتعاد عن الكلمة الجارحة.
ويستند الكاتب إلى مجموعة من الآيات القرآنية التي تؤكد قيمة القول الحسن والدفع بالتي هي أحسن، ليؤكد أن الخطاب الديني لا ينبغي أن ينفصل عن الأخلاق، ومن هذه الزاوية تصبح طريقة تعامل الإنسان مع خصومه ومخالفيه اختبارًا حقيقيًا لما يحمله من قيم، وليس مجرد ممارسة للعبادات بمعزل عن السلوك.
ويقدم الشرفاء الحمادي نقدًا واضحًا لما يعتبره اختزالًا لمفهوم الإسلام في العبادات وحدها، معتبرًا أن الالتزام الديني لا يكتمل من دون منظومة أخلاقية تضبط علاقة الإنسان بالآخرين، ويذهب المقال إلى أن الصلاة والصيام والحج لا ينبغي أن تكون منفصلة عن الأمانة والرحمة والعدل واحترام الحقوق، لأن قيمة العبادة تظهر كذلك في أثرها على السلوك والمجتمع.
وتحتل قضية الشماتة مساحة محورية في المقال، إذ يربطها الكاتب بالنهي عن السخرية والتنابز بالألقاب والانتقاص من الآخرين، فالإنسان، وفق الرسالة التي يطرحها المقال، لا يملك ضمانًا يحميه من الابتلاء ولذلك فإن التشفي في مصيبة الآخرين قد ينقلب على صاحبه، بينما يظل التعامل بالرحمة والإنسانية هو الموقف الأكثر اتساقًا مع القيم التي يدعو إليها القرآن.
كما يلفت المقال إلى خطورة تحول الخلافات بين الناس إلى خصومات وعداء بسبب الكلمات المسيئة، معتبرًا أن الكلمة قد تكون بداية لسلسلة من التوترات التي تتطور إلى صراعات أكبر، ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى ضبط الخطاب، وعدم تحويل الاختلاف في الرأي إلى مبرر للإهانة أو الكراهية أو الانتقام.
وفي جانب آخر، يربط الكاتب بين الأخلاق وبين التعامل مع المال والحقوق والمصالح، منتقدًا التناقض بين كثرة العبادات من جهة، وارتكاب بعض السلوكيات المخالفة للقيم من جهة أخرى، ويطرح بذلك سؤالًا مهمًا حول معيار التدين الحقيقي: هل يقاس فقط بما يفعله الإنسان من عبادات ظاهرة، أم يمتد كذلك إلى مدى التزامه بالعدل والأمانة وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين؟
ويصل المقال في نهايته إلى قضية الموت باعتبارها الحقيقة التي لا تستثني أحدًا مؤكدًا أن الموت ليس مجالًا للشماتة، لأنه مصير إنساني مشترك، وتتحول هذه الفكرة إلى دعوة للتأمل في النهاية التي تنتظر الجميع بدلًا من الانشغال بتشفي الإنسان في موت خصمه أو المختلف معه.
واللافت في طرح المقال أنه يحاول إعادة توجيه النقاش من الحكم على الآخرين إلى مراجعة الذات؛ فالرسالة الأساسية ليست فقط “لا تشمت”، وإنما تذكر أن الإنسان نفسه سيواجه يومًا حسابه على ما قدمه من أعمال، وما تركه من أثر في حياة الآخرين، وبذلك تصبح الأخلاق مسؤولية شخصية لا تتوقف على مكانة الإنسان أو خصومه أو اختلافه مع الآخرين.
في المحصلة، يقدم المقال رؤية نقدية تضع الأخلاق في قلب الخطاب الديني، وتدعو إلى استعادة قيم الرحمة والحوار واحترام الآخر والابتعاد عن السخرية والتشفي، وهي رسالة تتجاوز حدود الخلافات الدينية أو الاجتماعية إلى قيمة إنسانية عامة: أن موت الإنسان أو تعرضه للبلاء لا ينبغي أن يكون مناسبة لإهانته، وأن الكلمة الطيبة والرحمة واحترام كرامة الآخرين تظل من أهم الاختبارات التي تكشف حقيقة ما يحمله الإنسان من قيم.



