علاء عبدالله يكتب: حين تحاكي الروبوتات البشر.. من يعلم الإنسان معنى الرحمة؟
لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي والروبوتات مجرد نقاش حول مستقبل بعيد، فقد أصبحت التكنولوجيا أمامنا في تفاصيل الحياة اليومية وأصبحنا نشاهد آلات قادرة على الحركة والتفاعل والتعلم ومحاكاة بعض السلوكيات البشرية بدرجة تثير الدهشة، لكن هذا التطور المتسارع يفرض سؤالًا أكبر من قدرة الآلة على المشي أو الكلام أو تحليل المعلومات: ماذا عن الإنسان نفسه؟ وهل نستطيع، بالتوازي مع تطوير الآلات، أن نطور منظومتنا الأخلاقية بما يتناسب مع القوة التي أصبحنا نمتلكها؟
ربما تبدو العلاقة بين الروبوتات والقيم القرآنية غير مباشرة، لكنها في الحقيقة تفتح بابًا مهمًا للتفكير في معنى الإنسان، فنحن نعمل على صناعة آلات تشبهنا في الشكل والحركة ونمنحها قدرات متزايدة على التعلم واتخاذ القرارات والتفاعل مع البيئة، بينما لا تزال الإنسانية تواجه أزمات سببها التعصب والكراهية والعنف والصراع، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كنا نجيد صناعة آلة تحاكي الإنسان فهل نجحنا بالقدر نفسه في صناعة إنسان أكثر رحمة وعدلًا؟.
تطور علم الروبوتات بصورة مذهلة مستفيدًا من علوم متعددة تدرس حركة الإنسان وقدراته الجسدية والعقلية. ومن خلال البيوميكانيك، على سبيل المثال، أصبح بالإمكان تحليل طريقة المشي والجري والتوازن وحركة المفاصل والعضلات، ثم توظيف هذه المعرفة في تصميم أجهزة وأطراف صناعية وروبوتات أكثر قدرة على محاكاة الحركة البشرية.
فالآلة يمكن أن تتعلم كيف تتحرك، وكيف تتعرف على الصوت والصورة، وكيف تحلل تعبيرات الوجه، بل وكيف تستجيب لإشارات تبدو عاطفية، لكن هناك فارقًا عميقًا بين أن تحاكي الرحمة وأن تكون رحيمًا وبين أن تعرف تعريفًا للعدل وأن تختار العدل عندما يكون أمامك خيار آخر.
وهنا تكمن المسافة بين الذكاء والقيمة، وبين القدرة والمسؤولية، فكلما اقتربت الآلات من محاكاة الإنسان أصبحت أمامنا فرصة أكبر لإعادة التفكير في طبيعة الإنسان نفسه، فقد نصنع روبوتًا له عينان تشبهان أعيننا، ووجهًا قريبًا من ملامحنا، وصوتًا يحاكي أصواتنا، وحركة تبدو طبيعية، وقدرات متقدمة على معالجة المعلومات، لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: هل الشكل هو الذي يمنح الإنسان قيمته؟
هنا تبدو الرؤية القرآنية شديدة الأهمية، لأنها لا تختزل الإنسان في مظهره أو قوته أو قدرته على امتلاك الأشياء، وإنما تضع كرامته ومسؤوليته وعمله في قلب الصورة، ويقول الله تعالى: «ولقد كرّمنا بني آدم»، وهي آية تضع التكريم في إطار إنساني واسع، لا يرتبط بلون أو عرق أو لغة أو قوة، كما يقول تعالى: «وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»، بما يفتح الباب أمام فهم الاختلاف باعتباره فرصة للتعارف والتعاون، وليس مبررًا للصراع والعداء.
ومن هنا يمكن التوقف أمام الطرح الفكري للمفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يضع الإنسان وقيم السلام والرحمة والعدل في مركز رؤيته، فالحديث عن القرآن وقيمه لا ينبغي أن يظل منفصلًا عن أسئلة العصر، وإذا كانت البشرية قد دخلت مرحلة تستطيع فيها صناعة أنظمة ذكية وآلات تحاكي بعض قدرات الإنسان، فإن الحاجة تصبح أكبر إلى منظومة أخلاقية تضبط استخدام هذه القوة.
فالتكنولوجيا في حد ذاتها ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا؛ قيمتها تتحدد بالطريقة التي يستخدمها بها الإنسان، والعقل نفسه يمكن أن يصنع دواء ينقذ حياة إنسان، ويمكن أن يصنع سلاحًا يهدد حياة الآلاف، والتكنولوجيا يمكن أن تقرب المسافات بين الشعوب لكنها تستطيع أيضًا أن تصبح وسيلة لنشر الكراهية والتضليل والتمييز، إذن المشكلة الحقيقية ليست في مقدار الذكاء الذي نمنحه للآلة وإنما في القيم التي نضعها خلف هذا الذكاء.
قد يصل الروبوت في المستقبل إلى مستويات متقدمة جدًا من القدرة على التحليل والحركة والتفاعل، وقد يصبح قادرًا على مساعدة المرضى وكبار السن، أو العمل في البيئات الخطرة، أو تقديم خدمات كانت تتطلب في السابق تدخلًا بشريًا مباشرًا، وهذا جانب مهم ومفيد من التطور العلمي، لكن ماذا يحدث إذا استخدمت القدرات نفسها لأهداف مختلفة؟.
روبوت يستطيع التعرف على خوف الإنسان يمكن أن يستخدم لمساعدته ويمكن في الوقت نفسه أن يستخدم لاستغلال ضعفه، ونظام ذكي يستطيع تحليل سلوك الملايين يمكن أن يساعد في تحسين الخدمات، لكنه يمكن كذلك أن يتحول إلى أداة للسيطرة أو التمييز إذا غابت الضوابط الأخلاقية، لهذا فإن مستقبل التكنولوجيا لا يتعلق فقط بالسؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ وإنما أيضًا: ماذا ينبغي أن نفعل؟، هذا السؤال الأخلاقي ربما يكون أهم من أي إنجاز تقني.
ومن الأفكار التي تستحق إعادة التفكير أن السلام لا يعني فقط توقف القتال أو غياب الصراع المسلح فالسلام يبدأ قبل ذلك بكثير، من نظرة الإنسان إلى غيره، فحين يرى الإنسان المختلف عنه باعتباره عدوًا.تصبح أي قوة يمتلكها قابلة للتحول إلى أداة للصراع، تما حين يرى الآخر باعتباره إنسانًا له كرامته وحقوقه فإن العلم والتكنولوجيا يمكن أن يتحولا إلى أدوات للبناء والتعاون، وهنا تتقاطع رسالة السلام مع التطور التكنولوجي بصورة واضحة.
فالعالم لا يحتاج فقط إلى آلات أكثر ذكاءً، وإنما يحتاج إلى بشر أكثر قدرة على ضبط القوة، واحترام الآخر، ورفض الظلم، والاحتكام إلى الحوار بدلًا من العنف، والقيم التي يطرحها القرآن حول الرحمة والعدل والإحسان وكرامة الإنسان ليست أفكارًا بعيدة عن واقعنا المعاصر بل يمكن أن تكون جزءًا من الإجابة عن أسئلة المستقبل، فإذا كانت التكنولوجيا تمنح الإنسان قوة أكبر، فإن المسؤولية تصبح أكبر أيضًا.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على اتخاذ قرارات تؤثر في حياة البشر، فمن الضروري أن تكون هذه القرارات محكومة بمبادئ تحمي الإنسان من الظلم والتمييز والإيذاء، وهنا يصبح استحضار القيم القرآنية، كما يطرحها علي محمد الشرفاء الحمادي في مشروعه الفكري مدخلًا إلى نقاش أوسع حول علاقة العلم بالإنسان، وليس مجرد حديث عن الدين بمعزل عن تحولات العصر.
وربما يكون أعظم ما يمكن أن نتعلمه من ثورة الروبوتات أنها تجعلنا نعيد اكتشاف الإنسان، فنحن نقلد يده، ونحاكي خطواته، ونحاول فهم صوته وملامحه وحركته، ونعمل على بناء آلات تستطيع تنفيذ بعض المهام التي كان يعتقد أنها حكر على الإنسان، لكن هناك شيئًا لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد خوارزمية: القدرة على الرحمة، والشعور بالمسؤولية، واحترام كرامة الآخر، واختيار الخير عندما يكون الشر أكثر سهولة.
فالروبوت قد يصبح أكثر سرعة، والذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر قدرة على تحليل المعلومات، والآلة قد تتفوق على الإنسان في مهام كثيرة، لكن هذا كله لا يجعلها بديلًا عن الإنسان في المعنى الأخلاقي، لذلك فإن التحدي الحقيقي أمامنا ليس أن نصنع روبوتًا يشبه الإنسان، وإنما أن نحافظ على الإنسان نفسه من أن يتحول إلى آلة بلا مشاعر أو ضمير.
إن العالم مقبل على مرحلة ستزداد فيها قدرات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وستدخل هذه التقنيات في مجالات العمل والتعليم والصحة والصناعة والخدمات وغيرها، وكلما اتسعت هذه المساحة، أصبح السؤال الأخلاقي أكثر أهمية، فهل نستخدم التكنولوجيا لتخفيف معاناة الإنسان أم لزيادة قدرته على السيطرة على غيره؟، هل نجعلها وسيلة للتعاون أم أداة للتمييز؟، وهل تساعد في حماية الضعفاء أم تزيد الفجوة بين الأقوياء وغيرهم؟، هذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها التكنولوجيا وحدها، لأنها في النهاية أسئلة تخص الإنسان وقيمه واختياراته.
ومن هنا تبدو أهمية الأفكار التي تضع السلام والرحمة والعدل وكرامة الإنسان في قلب المشروع الحضاري، لأن التقدم الحقيقي لا يقاس فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يفعله بهذا التقدم دون أن يفقد إنسانيته.
قد يكون المستقبل قادرًا على تقديم روبوتات تتحدث مثلنا، وتمشي مثلنا، وتفهم إشاراتنا، وربما تتعامل مع بعض مشاعرنا بدرجة مذهلة، لكن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا هو: هل أصبحنا نحن أكثر إنسانية؟، فإذا كانت التكنولوجيا تسعى إلى صناعة آلة تشبه الإنسان في الشكل والقدرة، فإن رسالة السلام والقيم الإنسانية تسعى إلى صناعة إنسان أكثر وعيًا ورحمة وعدلًا وهنا تلتقي التكنولوجيا بالفكر.
فالآلة تستطيع محاكاة الحركة، والذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة المعرفة، لكن السلام يحتاج إلى إرادة، والعدل يحتاج إلى مسؤولية، والرحمة تحتاج إلى قلب، وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تفرضه علينا ثورة الروبوتات: المستقبل الحقيقي ليس عندما يصبح الروبوت شبيهًا بالإنسان، وإنما عندما يصبح الإنسان أكثر استحقاقًا للإنسانية.



