علاء عبدالله يكتب: درع فرسان السلام في الأردن.. تكريم لعلي محمد الشرفاء وتقدير لمشروعه الفكري والإنساني
في مشهد يعكس الاهتمام بالمشروعات الفكرية الداعية إلى السلام والتعايش الإنساني، حظي المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي بتكريم مؤسسة فرسان السلام في الأردن، التي منحته درعًا تقديرًا لمسيرته الفكرية وجهوده في نشر قيم الرحمة والتسامح والتعاون بين الشعوب، وذلك على هامش المؤتمر الدولي العاشر لفرسان وفارسات رسالة السلام، الذي شهد مشاركة ممثلين وشخصيات من عدد من الدول العربية.
ويحمل هذا التكريم دلالة تتجاوز منح درع تقديري، إذ يسلط الضوء على أهمية الأفكار والمبادرات التي تسعى إلى جعل السلام ثقافة حاضرة في حياة المجتمعات لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات، كما يفتح المجال أمام قراءة المشروع الفكري الذي ارتبط باسم الشرفاء، وما يطرحه من رؤى تتصل بالإصلاح المجتمعي، والحوار، واحترام كرامة الإنسان.
وتسلم المفكر علي محمد الشرفاء درع التكريم من حيي معاوية، المشرف على أنشطة مؤسسة رسالة السلام في المغرب العربي والقرن الإفريقي، والحاج محمد الأمين، رئيس لجنة الإشراف على أنشطة المؤسسة في أوروبا، في لفتة تعكس تقديرًا لما قدمه من أعمال وكتابات تناولت قضايا السلام والتعايش والإصلاح.
وتأتي أهمية هذا التكريم من ارتباطه بمسيرة فكرية امتدت لسنوات، انشغلت بقضايا الإنسان والمجتمع، وسعت إلى طرح تصورات بشأن سبل الحد من الانقسام وتعزيز التواصل بين الشعوب، فالقيمة الحقيقية لأي مشروع فكري لا تتوقف عند ما يقدمه من أطروحات، بل تمتد إلى قدرته على فتح مساحات للنقاش وإعادة طرح الأسئلة التي تمس واقع الإنسان ومستقبل المجتمعات.
ومن هذا المنطلق، يمثل تكريم الشرفاء مناسبة لتسليط الضوء على العلاقة بين الفكر والعمل الإنساني، وعلى دور المؤسسات المعنية بالسلام في التعريف بالمبادرات التي تتبنى الحوار والتفاهم وسيلة للتعامل مع الاختلافات.
ويرتبط المشروع الفكري للمفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي بالدعوة إلى إعادة بناء الخطاب الديني انطلاقًا من القيم القرآنية التي تؤكد الرحمة والعدل وحرية الاعتقاد ورفض الإكراه والعنف، وهي موضوعات تحضر في كتاباته وطرحه الفكري المتعلق بالإصلاح الحضاري والسلام المجتمعي.
وتنطلق هذه الرؤية من أهمية وضع كرامة الإنسان في صدارة الاهتمام، والتعامل مع الاختلاف باعتباره واقعًا يمكن احتواؤه بالحوار والتفاهم، بدلًا من تحويله إلى سبب للصراع والانقسام. كما تطرح تساؤلات بشأن دور الخطاب الديني والفكري في تشكيل الوعي العام، ومدى قدرته على الإسهام في بناء مجتمعات أكثر احترامًا للتنوع وأكثر تمسكًا بالعدل والرحمة.
وتبرز أهمية هذه القضايا في ظل ما تواجهه المجتمعات من تحديات فكرية واجتماعية تجعل نشر ثقافة التسامح مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الفكرية والثقافية والمدنية، فترسيخ السلام يبدأ من بناء الوعي، وتصحيح المفاهيم، وتعزيز قيم المسؤولية المتبادلة، بما ينعكس على العلاقات داخل المجتمع وبين الشعوب.
جاء التكريم بالتزامن مع مشاركة مؤسسة رسالة السلام العالمية في المؤتمر الدولي العاشر لفرسان وفارسات رسالة السلام بالمملكة الأردنية الهاشمية، الذي شهد لقاءات ونقاشات تناولت قضايا السلام والمجتمع والأسرة، ودور المؤسسات الفكرية والمدنية في مواجهة مظاهر الانقسام والتوتر.
وشكلت مشاركة وفد المؤسسة فرصة للتعريف برسالتها ومشروعاتها وأنشطتها في عدد من الدول العربية والأوروبية والإفريقية، إلى جانب التواصل مع شخصيات ومؤسسات مشاركة في المؤتمر، وبحث سبل توسيع مجالات التعاون حول القضايا الإنسانية المشتركة.
ويعكس هذا الحضور توجهًا نحو بناء شبكة من العلاقات التي تساعد على تبادل الخبرات والأفكار وتعزز فرص التعاون بين المؤسسات التي تضع السلام والتفاهم في صدارة اهتماماتها، فالمبادرات الفكرية تزداد أهمية عندما تجد مساحات للتفاعل مع تجارب مختلفة، وتتحول الأفكار المطروحة خلالها إلى موضوعات للنقاش والعمل المشترك.
كما أن المؤتمرات واللقاءات الدولية تتيح فرصة لطرح قضايا المجتمع والأسرة والعلاقات الإنسانية من زوايا متعددة، وتساعد على إبراز دور المؤسسات المدنية في نشر الوعي، وتشجيع الحوار، وفتح قنوات للتواصل تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
وتكشف الرسائل المرتبطة بهذا التكريم عن قضية أساسية، تتمثل في ضرورة الانتقال بثقافة السلام من نطاق الخطاب النظري إلى الممارسة اليومية، سواء في العلاقات بين الأفراد أو في إدارة الخلافات داخل المجتمعات أو في التواصل بين الشعوب.
فالسلام لا يتحقق بمجرد الدعوة إليه، وإنما يحتاج إلى منظومة من القيم والسلوكيات التي تحترم الإنسان، وتؤمن بأهمية الحوار، وترفض الإقصاء والكراهية، وتمنح الاختلاف مساحة للتفاهم بدلًا من المواجهة، ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات الفكرية والثقافية في تقديم خطاب يساعد على ترسيخ هذه المبادئ، ويربطها بالتحديات الواقعية التي تواجه المجتمعات.
وفي هذا السياق، فإن تكريم أصحاب المشروعات الفكرية والإنسانية يسلط الضوء على أهمية استمرار النقاش حول الأفكار التي تستهدف تعزيز التعايش والاستقرار المجتمعي، مع ضرورة أن تقترن هذه الأفكار ببرامج ومبادرات قابلة للتطبيق، تتيح قياس أثرها وتوسيع نطاق الاستفادة منها.
ويمثل تكريم المفكر علي محمد الشرفاء في الأردن محطة جديدة ضمن الفعاليات التي تسلط الضوء على مشروعه الفكري، كما يعكس اهتمام مؤسسة رسالة السلام العالمية بتوسيع نطاق حضورها والتواصل مع المؤسسات والشخصيات التي تتقاطع معها في الاهتمام بقضايا السلام والإصلاح المجتمعي.
وتبقى الرسالة الأهم التي يطرحها هذا الحدث مرتبطة بضرورة جعل الإنسان محورًا لأي مشروع يسعى إلى الإصلاح، انطلاقًا من أن احترام كرامته، وترسيخ العدل، وتعزيز الرحمة، وإتاحة المجال للحوار، تمثل عناصر أساسية في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على التعامل مع الاختلاف.
وفي النهاية، لا تتوقف قيمة التكريم عند رمزيته أو المناسبة التي جاء خلالها، بل تمتد إلى ما يثيره من نقاش حول دور الفكر في خدمة الإنسان، ومسؤولية المؤسسات في دعم ثقافة التفاهم، وأهمية تحويل القيم الإنسانية إلى ممارسات ملموسة، وهي قضايا تظل حاضرة في أي مسعى جاد لبناء مستقبل يقوم على التعاون بدلًا من الصراع، والحوار بدلًا من الكراهية، واحترام الإنسان باعتباره أساسًا لأي سلام مستدام.



