بعد 56 عامًا على رحيله.. خميس القطيطي: جنازة جمال عبد الناصر كانت استفتاءً شعبيًا على مشروعه العربي
كتب – محمود الشوربجي – في الذكرى السادسة والخمسين لرحيل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، استعاد الكاتب والمحلل السياسي العُماني خميس القطيطي مشاهد الجنازة الشعبية التي خرجت في شوارع القاهرة والمدن المصرية والعربية عقب وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، معتبرًا أن حجم المشاركة الجماهيرية آنذاك عكس، من وجهة نظره، ارتباطًا واسعًا بالمشروع القومي العربي الذي تبناه الرئيس المصري خلال سنوات حكمه.
وقال القطيطي خلال كلمة له بهذه المناسبة، إن ذكرى جمال عبد الناصر لا تزال حاضرة في الذاكرة العربية بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، مشيرًا إلى استمرار ظهور صوره في مناسبات قومية عربية، واعتبر أن هذا الحضور يعكس استمرار تأثير تجربته السياسية لدى قطاعات من الجمهور العربي.
وتوفي جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، عن عمر ناهز 52 عامًا، بعد تعرضه لأزمة قلبية عقب انتهاء أعمال قمة عربية في القاهرة. وأقيمت جنازته في الأول من أكتوبر من العام نفسه، وسط حشود ضخمة في شوارع العاصمة المصرية، وقدّرت مصادر تاريخية عدد المشاركين بالملايين. وتوثق وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن الجنازة أقيمت في الأول من أكتوبر، بعد وفاة عبد الناصر بثلاثة أيام.
جنازة عبد الناصر.. مشهد جماهيري استثنائي
وركز القطيطي في حديثه على مشهد خروج الجماهير المصرية إلى الشوارع للمشاركة في تشييع عبد الناصر، معتبرًا أن الجنازة مثلت، بحسب قراءته، نوعًا من التعبير الشعبي عن التقدير للرئيس الراحل ومشروعه السياسي.
وتشير تقديرات تاريخية إلى مشاركة نحو خمسة ملايين شخص في جنازة عبد الناصر بالقاهرة في الأول من أكتوبر 1970، وهو رقم يعكس الحجم الاستثنائي للحشود التي احتشدت على امتداد مسار الجنازة.
ويرى القطيطي أن هذا المشهد لم يكن مجرد مراسم لتشييع رئيس راحل، وإنما حمل، من وجهة نظره، دلالات سياسية وشعبية مرتبطة بصورة عبد الناصر لدى أنصاره ومؤيديه، وبما مثله مشروعه من شعارات تتعلق بالوحدة العربية والتضامن العربي والعدالة الاجتماعية ودعم القضية الفلسطينية.
ويقول المحلل العُماني إن خروج هذه الجماهير، بعد وفاة عبد الناصر، يمكن قراءته باعتباره تعبيرًا عن شعور قطاعات واسعة بأنها فقدت شخصية سياسية يصعب تكرارها، وفقًا لتقديره.
بين جنازة 1970 ومشهد ما بعد نكسة 1967
وربط القطيطي بين جنازة عبد الناصر والمشهد الشعبي الذي أعقب إعلان الرئيس المصري استقالته بعد حرب يونيو 1967، معتبرًا أن الحدثين يعكسان، في قراءته، طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين عبد الناصر وقطاعات من الجماهير المصرية.
وتؤكد الوثائق التاريخية أن عبد الناصر أعلن بالفعل استقالته في خطاب أذاعه في 9 يونيو 1967، عقب الهزيمة، قبل أن يتراجع عنها في اليوم التالي بعد مظاهرات حاشدة في القاهرة طالبت ببقائه في منصبه.
ويستند القطيطي إلى هذه الواقعة في تفسيره لما يسميه استمرار الارتباط الشعبي بعبد الناصر، معتبرًا أن الجماهير، وفق رؤيته، لم تتعامل معه فقط باعتباره رئيسًا لمصر، وإنما باعتباره صاحب مشروع سياسي وقومي أوسع.
من الوحدة العربية إلى التضامن الإقليمي
وتطرق القطيطي إلى المشروع العربي الذي ارتبط باسم جمال عبد الناصر، مشيرًا إلى أن الوحدة العربية لم تكن، في تقديره، مرتبطة فقط بإقامة دولة اتحادية واحدة، وإنما شملت مفاهيم التضامن والتعاون والتكامل بين الدول العربية، إلى جانب مساندة القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ومن الناحية التاريخية، ارتبط اسم عبد الناصر بتجربة الجمهورية العربية المتحدة التي تأسست عام 1958 باتحاد مصر وسوريا، وظل عبد الناصر رئيسًا لها. وانفصلت سوريا عن الاتحاد عام 1961، بينما استمر الاسم الرسمي لمصر «الجمهورية العربية المتحدة» حتى عام 1971.
ويرى القطيطي أن استمرار ظهور صور عبد الناصر في بعض المناسبات والفعاليات العربية بعد عقود من رحيله يمثل، بحسب تفسيره، مؤشرًا على بقاء صورته السياسية في الذاكرة لدى مؤيديه وقطاعات من الجمهور العربي.
فلسطين في خطاب القطيطي عن عبد الناصر
كما وضع الكاتب العُماني القضية الفلسطينية في صدارة الملفات التي يرى أنها ارتبطت بالمشروع الناصري، مشيرًا إلى أن عبد الناصر ظل حاضرًا لدى مؤيديه بوصفه أحد أبرز الرموز العربية التي تبنت خطابًا داعمًا للقضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، انتقل القطيطي إلى مناقشة التحولات التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقود التالية لرحيل عبد الناصر، وعلى رأسها مسار العلاقات العربية الإسرائيلية واتفاقيات السلام والتطبيع، معتبرًا أن هذه التطورات جاءت في اتجاه مختلف عن التصور القومي الذي ارتبط به عبد الناصر.
القطيطي ينتقد مسار التطبيع
وفي الجزء الأخير من حديثه، عبّر خميس القطيطي عن انتقاده لمسار التطبيع العربي مع إسرائيل، معتبرًا أن التحولات التي شهدتها المنطقة بعد توقيع اتفاقيات السلام أثرت، من وجهة نظره، في شكل النظام الإقليمي العربي وفي طريقة التعامل مع القضية الفلسطينية.
كما أشار إلى ما وصفه بتصاعد الحديث داخل إسرائيل عن مفهوم «إسرائيل الكبرى»، وربط ذلك بالمخاوف المتعلقة بالتوسع الإقليمي.
وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح «إسرائيل الكبرى» يُستخدم في الأدبيات السياسية لوصف مجموعة من الرؤى المختلفة بشأن الحدود أو النفوذ الإقليمي لإسرائيل، ولا يحمل تعريفًا واحدًا متفقًا عليه. وقد تناولت تقارير وتحليلات منشورة خلال 2026 تصريحات ومواقف لسياسيين وشخصيات إسرائيلية وأمريكية مرتبطة بهذا المفهوم، مع وجود خلافات حول دلالاته وحدوده وما إذا كان يمثل مشروعًا رسميًا متكاملًا للدولة الإسرائيلية.
56 عامًا.. عبد الناصر في الذاكرة السياسية العربية
وبعد مرور 56 عامًا على وفاة جمال عبد الناصر، يرى خميس القطيطي أن استمرار الجدل حول تجربته لا يرتبط فقط بفترة حكمه التي انتهت بوفاته عام 1970، وإنما بما تركته تلك التجربة من أفكار وشعارات وسياسات لا تزال حاضرة في النقاشات المتعلقة بالوحدة العربية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقضية الفلسطينية.
وبينما تختلف التقييمات التاريخية والسياسية لتجربة عبد الناصر، تبقى جنازته في الأول من أكتوبر 1970 واحدة من أكبر التجمعات الجماهيرية المرتبطة برحيل قائد سياسي في مصر خلال القرن العشرين، فيما لا يزال إرثه موضع نقاش بين مؤيدين يرون فيه رمزًا للمشروع القومي العربي، ومنتقدين يركزون على جوانب أخرى من تجربته السياسية والاقتصادية والحريات العامة.
وفي الذكرى السادسة والخمسين لرحيله، يعيد حديث القطيطي فتح النقاش حول سؤال أوسع: كيف استطاعت صورة جمال عبد الناصر أن تظل حاضرة في الذاكرة العربية بعد أكثر من نصف قرن على غيابه؟



