مقالات

علاء عبدالله يكتب: حين تصبح الكلمة الإعلامية مسؤولية.. رؤية علي الشرفاء تضع الإعلام في قلب معركة الوعي والسلم المجتمعي

لم يعد الإعلام في العصر الرقمي مجرد مساحة لنقل الأخبار والأحداث، بعدما أصبحت الكلمة قادرة خلال دقائق على صناعة حالة من الوعي أو إشعال خلاف يصعب احتواؤه. ومن هنا تكتسب الرؤية التي استعرضها حي معاوية، المشرف على القرن الإفريقي والمغرب العربي بمؤسسة رسالة السلام العالمية، أهمية خاصة، لأنها تضع المسؤولية الإعلامية في سياق أوسع يرتبط بالسلم المجتمعي وطريقة تشكيل وعي الجمهور.

وتقوم الرؤية التي تناولها معاوية حول فكر المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي على أن الإعلام يمتلك قدرة مؤثرة في بناء الإنسان وتصحيح المفاهيم وليس فقط في نقل المعلومات، وهذه النقطة تفتح نقاشًا مهمًا حول طبيعة الرسالة الإعلامية في ظل بيئة رقمية أصبحت فيها الأخبار تنتشر بسرعة بينما لا تحظى عملية التحقق بالاهتمام نفسه في كثير من الأحيان.

ويأتي التأكيد على التثبت من الأخبار في مقدمة القضايا التي طرحها النص خصوصًا مع الانتشار الواسع للشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي، فالخبر غير الدقيق لا يظل مجرد معلومة خاطئة وإنما قد تكون له آثار مباشرة على الأشخاص والمؤسسات والمجتمعات، وهو ما يجعل التحقق قبل النشر جزءًا أساسيًا من المسؤولية المهنية والأخلاقية للإعلام.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين سرعة النشر وبين دقة المعلومة. فالمنافسة على الوصول إلى الخبر أولًا لا ينبغي أن تلغي السؤال الأهم: هل المعلومة صحيحة؟ وما حجم الضرر الذي يمكن أن ينتج عن نشرها إذا كانت غير دقيقة؟ وهي إشكالية أصبحت أكثر حضورًا مع انتقال الجمهور من انتظار وسائل الإعلام التقليدية إلى متابعة الأخبار لحظة بلحظة عبر الهواتف والمنصات الاجتماعية.

ولا تتوقف الرؤية المطروحة عند مسألة الأخبار، وإنما تنتقل إلى قضية أكثر عمقًا تتعلق بتصحيح المفاهيم التي تشكل الوعي العام، وفي هذا السياق، يشير النص إلى ضرورة التمييز بين القرآن الكريم باعتباره وحيًا إلهيًا، وبين الروايات والاجتهادات والتفسيرات التي أنتجها البشر عبر التاريخ، ويقدم ذلك باعتباره جزءًا من محاولة مراجعة الأفكار التي يمكن أن تؤثر في فهم الإنسان لدينه ومجتمعه وعلاقته بالآخر.

أما اللغة التي يستخدمها الإعلام، فهي محور آخر لا يقل أهمية؛ لأن طريقة صياغة الخبر أو التعليق أو النقاش يمكن أن تؤثر في طبيعة رد فعل الجمهور، ولهذا يربط النص بين الخطاب الإعلامي وبين احترام كرامة الإنسان ورفض السخرية والإهانة والتنابز والتحريض، بما يجعل اختيار الكلمات مسؤولية تتجاوز الجانب المهني إلى تأثيرها الاجتماعي.

ومن هذه الزاوية، لا يصبح احترام الرأي المختلف مجرد قيمة أخلاقية وإنما يتحول إلى أداة للحفاظ على مساحة الحوار داخل المجتمع، فوجود الاختلاف أمر طبيعي لكن الطريقة التي تتم بها إدارة هذا الاختلاف هي التي تحدد ما إذا كان سيتحول إلى نقاش منتج أم إلى خصومة وكراهية وإقصاء.

كما تطرح الرؤية دورًا آخر للإعلام يتمثل في قدرته على تحويل الأزمات إلى فرص للحوار، فعرض وجهات النظر المختلفة ومنح الأطراف حق الرد، وتقديم المعلومات بصورة متوازنة كلها ممارسات يمكن أن تساعد في تهدئة التوتر بدلًا من تضخيمه، وهنا ينتقل الإعلام من مجرد وصف الحدث إلى المشاركة في تشكيل طريقة تعامل المجتمع معه.

وتزداد أهمية هذه المسؤولية في مواجهة الشائعات، لأن إعادة نشر المعلومة دون تحقق قد تمنحها انتشارًا أكبر من قدرتها على التصحيح لاحقًا، ولذلك فإن الإعلام يمتلك دورًا في حماية المجتمع من الآثار المتراكمة للمعلومات المضللة، من خلال التحقق والتوضيح وتصحيح المعلومات بدلًا من المساهمة في انتشارها.

واللافت في هذه القراءة أن السلام لا يطرح باعتباره قضية بعيدة عن العمل الإعلامي وإنما يبدأ من التفاصيل اليومية للكلمة والصورة والعنوان وطريقة عرض المعلومة، فكل وسيلة إعلامية تختار كيف تقدم حدثًا وكل صحفي يقرر كيف يصوغ معلومة، يشارك بصورة أو بأخرى في تشكيل البيئة التي يتحرك داخلها الجمهور.

وفي النهاية، تضع رؤية علي محمد الشرفاء الحمادي كما عرضها حي معاوية، الإعلام أمام مجموعة من المسؤوليات المترابطة: الحقيقة قبل الشائعة، الحوار بدلًا من التحريض، احترام الإنسان بدلًا من الإهانة، وتصحيح المفاهيم بدلًا من تكريسها دون مراجعة، ومن هنا تبدو الرسالة الأساسية للنص واضحة: السلم المجتمعي لا يبنى فقط عبر الاتفاقات والمؤتمرات وإنما يمكن أن يبدأ أيضًا من شاشة هاتف، ومن خبر يجري التحقق منه، ومن كلمة تكتب بوعي قبل أن تصل إلى ملايين القراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى