مقالات

علاء عبدالله يكتب: هل انتهى خطر النفاق بوفاة الرسول؟.. سؤال يفتح ملف الموروث الديني

يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله حول “المنافقون” سؤالًا يتجاوز حدود الحديث عن ظاهرة ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة، ليفتح نقاشًا أوسع حول كيفية استمرار آثار النفاق بعد انتهاء عصر الوحي وكيف يمكن أن تنتقل الأفكار المنسوبة إلى الدين من جيل إلى آخر حتى تصبح مع الوقت جزءًا من الوعي العام، دون أن يتوقف كثيرون عند أصلها أو مدى توافقها مع القرآن الكريم.

ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي يضعه المقال في الواجهة: إذا كان القرآن قد كشف المنافقين وحذر من أساليبهم خلال حياة الرسول، فما الذي حدث بعد وفاته؟ فبرحيل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى نزول الوحي، ولم يعد هناك تصحيح إلهي مباشر يكشف للناس ما يلتبس عليهم أو يضع حدًا للخلاف حول ما ينسب إلى الرسالة، وهذه النقطة، وفق الرؤية التي يقدمها المقال، تمثل بداية مرحلة مختلفة في تاريخ الخطاب الديني.

ويستند الشرفاء الحمادي إلى الآيات القرآنية التي تناولت المنافقين، موضحًا أن القرآن لم يقدم النفاق باعتباره مجرد مخالفة ظاهرة أو موقفًا معلنًا، وإنما كشف منظومة من السلوكيات تقوم على إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، واستخدام المظهر والكلام والقدرة على التأثير للوصول إلى أهداف مختلفة، ومن بين الآيات التي يستند إليها قوله تعالى: “وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ”، وكذلك قوله: “وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ”.

واللافت في هذه الرؤية أن الخطر لا يرتبط بالمظهر وحده، وإنما بالقدرة على تحويل المظهر والكلام إلى أدوات تأثير، فالإنسان قد يبدو في صورة شديدة الجاذبية أو يتحدث بلغة دينية مقنعة، لكن المعيار الذي يدعو المقال إلى العودة إليه هو مضمون الفعل ومدى انسجامه مع القيم القرآنية، وليس مقدار ما يحيط بالشخص من مظاهر أو شعارات.

ويتوقف المقال بصورة خاصة عند قوله تعالى في سورة التوبة: “وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ”، ويرى أن التعبير القرآني “مردوا على النفاق” يلفت النظر إلى صورة من صور الاعتياد والتمرس بحيث يصبح النفاق أسلوبًا مستقرًا وليس مجرد موقف عابر، كما تشير الآية نفسها إلى أن بعض المنافقين لم يكن من السهل التعرف إليهم، وهو ما يبرز خطورة التخفي خلف صورة تبدو من الخارج متوافقة مع المجتمع المؤمن.

لكن السؤال الأكثر حساسية في المقال يبدأ من اللحظة التي توقف فيها الوحي، فكيف يمكن أن تدخل إلى الخطاب الديني أفكار لا تنتمي إلى القرآن ثم تكتسب لاحقًا صفة دينية؟ هنا ينتقل المقال من الحديث عن المنافق بوصفه شخصًا إلى الحديث عن “الصوت” الذي يمكن أن ينسب إلى الرسول بعد وفاته، ويصبح السؤال: من يملك حق تعريف الإسلام؟

ويربط الشرفاء الحمادي هذه المسألة بما ورد في القرآن من تحذير من محاولات التلاعب بتوجيهات الرسول في حياته، مستشهدًا بقوله تعالى: “وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ”، ومن هذه الآية ينطلق المقال في طرح تصور مفاده أن محاولات تغيير مضمون الرسالة أو الالتفاف عليها يمكن أن تتخذ صورة أكثر تعقيدًا عندما يغيب صاحب الرسالة نفسه.

وهنا تظهر العبارة المحورية في النص: “من سرق صوت الرسول؟”، والمقصود بها ليس سرقة الصوت بمعناه المادي، وإنما السؤال عن انتقال أقوال منسوبة إلى الرسول إلى دائرة القداسة الدينية، بحيث يتعامل معها المتلقي باعتبارها تعبيرًا عن الرسول نفسه، حتى إذا تعارض مضمونها مع ما يراه الكاتب من مقاصد وقيم القرآن.

وهذه الفكرة تقود بدورها إلى قضية الموروث الديني وكيفية التعامل معه، فالمقال لا يكتفي بالسؤال عن مصدر الرواية أو القول، وإنما يطرح مسؤولية المتلقي نفسه: هل يكفي أن يكون الكلام منسوبًا إلى شخصية دينية حتى يصبح فوق الفحص؟ أم أن العقل مطالب بالنظر والتدبر والمقارنة والتمييز؟.

وتأتي الإجابة من القرآن نفسه، باعتباره النص الذي يضع له معيارًا حاكمًا في التعامل مع ما يقال باسم الدين، ولذلك يكرر الشرفاء الحمادي الدعوة إلى العودة إلى القرآن وتدبره، وعدم التعامل مع الموروث باعتباره كتلة واحدة لا يجوز السؤال عنها، فالمشكلة لا تبدأ من وجود تراث ديني، وإنما من تحويل بعض الموروثات إلى مرجعية تمنع الإنسان من فحصها أو مقارنتها بما جاء في القرآن.

وهنا تتسع قضية النفاق من كونها سلوكًا فرديًا إلى مشكلة مرتبطة بالخطاب نفسه، فقد لا يقول شخص بشكل مباشر إنه يعادي الدين بل قد يتحدث باسمه ويستخدم مفرداته وشعاراته، بينما يقدم في الوقت نفسه أفكارًا يرى المقال أنها تتناقض مع قيم العدل والرحمة والحرية والسلام والمساواة، ولذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يرتدي مظهرًا دينيًا؟ وإنما: ماذا يقول؟ وماذا يفعل؟ وإلى أي منظومة قيمية ينتمي خطابه؟.

ويعيد المقال بهذه الطريقة تعريف الخطر من زاوية مختلفة؛ فالمنافق الأكثر تأثيرًا ليس بالضرورة الشخص الذي يسهل اكتشافه، وإنما صاحب الخطاب الذي يستطيع أن يمنح أفكارًا بشرية غطاءً دينيًا، ثم يقدمها للناس باعتبارها جزءًا من الدين، وعندما يحدث ذلك تصبح مهمة التمييز أكثر صعوبة، لأن المتلقي لا يتعامل مع الفكرة باعتبارها رأيًا بشريًا، وإنما باعتبارها شيئًا محاطًا بالقداسة.

ومن هنا تبدو دعوة المقال إلى إعمال العقل جزءًا أساسيًا من مواجهته للنفاق، فالمطلوب ليس مطاردة أشخاص وتوزيع اتهامات عليهم، وإنما فحص الأفكار التي تصل إلى الإنسان، والتأكد من مصادرها، والنظر في مدى توافقها مع القرآن والقيم التي يؤكدها، وهذا يحول القضية من صراع مع أشخاص إلى نقاش حول الأفكار ومصادرها وآثارها.

كما أن هذه الرؤية تعيد التأكيد على الفرق بين الإيمان بالمظهر والإيمان بالسلوك، فالقرآن بحسب الاستشهادات التي يقوم عليها المقال، يحذر من الانخداع بالشكل أو البلاغة، لأن حقيقة الإنسان تظهر في موقفه من الحق وفي أفعاله وتعاملاته، ولذلك فإن كثرة الحديث عن الدين لا تصبح وحدها دليلًا على صدق الخطاب، كما أن المظهر الديني لا يكفي لإثبات سلامة ما يقدمه صاحبه من أفكار.

وفي النهاية، يعود المقال إلى السؤال الذي بدأ منه: ماذا حدث للمنافقين بعد وفاة الرسول؟ لكنه لا يقدم السؤال باعتباره بحثًا عن أسماء أو شخصيات بعينها، بل يحوله إلى قضية فكرية مستمرة تتعلق بكيفية انتقال الأفكار، وكيف يمكن للخطاب البشري أن يكتسب سلطة دينية عندما يُنسب إلى الرسول أو يقدم باعتباره جزءًا من الإسلام.

وبذلك يصبح عنوان “من سرق صوت الرسول؟” تعبيرًا عن قضية أكبر من مجرد الحديث عن المنافقين؛ إنها قضية المرجعية، ومصدر التشريع، وحدود الموروث، ومسؤولية الإنسان في أن يقرأ ويتدبر ويفحص قبل أن يمنح أي خطاب صفة القداسة، وفي الرؤية التي يقدمها الشرفاء الحمادي، يظل القرآن هو الميزان الذي ينبغي أن يعود إليه الإنسان، بينما تبقى كل الأصوات الأخرى، مهما بلغت مكانتها أو انتشارها، مجالًا للنظر والتدبر والتمييز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى