مقالات
المستشار ياسر الخولي يكتب … حين يصبح المكانُ فكرة… ويصبح العلمُ قدرًا للوطن

في بعض الزيارات نرى مكانًا جميلًا، فنُعجب به…
وفي زياراتٍ أخرى نرى وراء المكان فكرةً كبرى تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا.
هكذا كانت زيارتي إلى جامعة المنصورة الجديدة؛ لم أشعر أننا أمام جامعةٍ تُشيَّد بالحجر، بقدر ما شعرت أننا أمام رؤية تُشيَّد للإنسان، ومستقبلٍ يُكتب بعقول جيلٍ جديد من أبناء مصر.
ما رأيناه من عمارةٍ علمية، ومعامل وتجهيزات، ورؤيةٍ متكاملة، يبعث على الفخر؛ لكن الحقيقة الأعمق أن قيمة الجامعة لا تكمن في فخامة مبانيها، وإنما في قدرتها على أن تجعل من العلم قوةً، ومن المعرفة وعيًا، ومن الشباب مشروعًا لوطنٍ أكثر قدرةً على صناعة المستقبل.
فالأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أبراجٍ وطرقٍ ومشروعات…
بل تُقاس بعدد العقول التي تستطيع أن تُضيء الطريق حين يزداد العالم تعقيدًا.
والجامعة في جوهرها ليست مكانًا نتعلم فيه فقط؛ إنها المكان الذي يتعلم فيه الوطن كيف يفكر في غده.
ومن هنا كان المشهد بالنسبة لي أكبر من مجرد زيارة…
كان تأملًا في مصر التي تتشكل أمام أعيننا؛
مصر التي تنقل مركز ثقلها من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته، ومن بناء المنشآت إلى بناء الإنسان.
والأجمل من كل ما رأيناه من جمالٍ وفخامة، ذلك الشباب المصري الذي رأيناه هناك…
ففي وجوههم إجابةٌ هادئة عن سؤالٍ كبير كثيرًا ما يطرحه العالم:
ماذا تستطيع مصر أن تفعل حين تمنح أبناءها العلم والفرصة والثقة؟
والإجابة كانت واضحة أمام أعيننا:
تستطيع أن تصنع المستقبل.
كل الشكر والتقدير لمعالي الأستاذ الدكتور معوض الخولي، رئيس الجامعة، على كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال وثراء اللقاء، والشكر موصول للإخوة الكرام في مؤسسة تطوير الدقهلية برئاسة معالي الأستاذ محمد عبد العظيم، الدكتور احمد منير حسان الدكتور احمد شندى على هذه الصحبة الراقية وهذه الزيارة التي ستبقى في الذاكرة.
وفي النهاية…
قد تتغير الأبنية، وتتبدل الأزمنة، وتتطور التقنيات، لكن تبقى هناك حقيقة لا تتغير:
أن أعظم استثمار يمكن أن تصنعه أمة هو الإنسان…
وأن أعمق بناء يمكن أن تشيده دولة هو عقلٌ يعرف كيف يفكر، وضميرٌ يعرف كيف ينتمي، وشابٌ يؤمن أن له مكانًا في صناعة التاريخ.
ومن رحاب جامعة المنصورة الجديدة، لا أستطيع إلا أن أقول:
هنا لا تُبنى جامعة فحسب…
هنا تُبنى ذاكرة المستقبل.
وهنا لا يتعلم الشباب كيف يعيشون في الغد…
بل يتعلمون كيف يصنعونه.
تحية لمصر… حين تجعل من العلم مشروعًا للوطن، ومن الشباب وعدًا للمستقبل.



