علاء عبدالله يكتب: من قمة جبل لاو إلى عقول آلاف الطلاب.. كيف يجد فكر علي الشرفاء الحمادي طريقه إلى المؤسسات التعليمية في إندونيسيا؟
لم تعد حركة الكتب والأفكار مرتبطة بالمراكز الثقافية الكبرى أو المدن المكتظة، فقد تأخذ الفكرة طريقها إلى أماكن بعيدة وربما إلى قمة جبل شاهق، لتجد هناك جمهورًا يبحث عن المعرفة والحوار، وهذا ما تعكسه الزيارة التي شهدتها مؤسسة MTA – مركز تفسير القرآن في جاوة الوسطى بإندونيسيا، حيث وصلت مؤلفات المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي إلى مؤسسة تعليمية تقع على ارتفاع يقارب 3250 مترًا فوق سطح البحر، وسط حضور لافت لآلاف الطلاب والمعلمين.
وتكتسب الزيارة أهميتها من طبيعة المكان نفسه؛ فالمؤسسة التعليمية المقامة على مساحة تصل إلى نحو 23 هكتارًا تستقبل قرابة 6 آلاف طالب وطالبة من المراحل الدراسية المختلفة، وتجمع في برامجها بين تعليم القرآن الكريم والتكوين العلمي والتربوي والأنشطة الرياضية، ومن ثم، فإن وصول مؤلفات الشرفاء الحمادي إلى هذا المكان لم يكن مجرد انتقال لمجموعة من الكتب، وإنما جاء في سياق لقاء مباشر مع مؤسسة لديها اهتمام بالقرآن وتفسيره وتكوين شخصية الطالب.
وخلال الزيارة، ظهر الجانب الأهم في هذا الحضور من خلال التفاعل المباشر مع الطلاب، فقد ألقى الدكتور تامر الغزاوي مدير مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في إندونيسيا، محاضرة أمام أكثر من ثلاثة آلاف طالب تناول فيها كتاب “الله نزل أحسن الحديث”، وتركز النقاش حول عدد من الأفكار المرتبطة بالعودة إلى القرآن الكريم وتدبر آياته، والنظر إلى الهداية القرآنية باعتبارها مصدرًا يمكن الاستناد إليه في بناء الإنسان والمجتمع.
وهنا تبدو قيمة اللقاء في كونه تجاوز فكرة تقديم الكتاب إلى فتح مساحة للحوار حول مضامينه، فالطلاب لم يكونوا مجرد جمهور يستمع إلى محاضرة وإنما جاء اللقاء ضمن بيئة تعليمية تهتم أصلًا بدراسة القرآن وتفسيره، وهو ما أتاح طرح الأفكار في سياق معرفي وتربوي قريب من طبيعة المؤسسة.
كما حملت الزيارة جانبًا آخر يتعلق بتبادل الكتب والتقدير المؤسسي لها، بعدما جرى تقديم عدد من مؤلفات الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الدكتور نور خالد سيف الله رئيس مجلس تفسير القرآن، ووفق ما ورد عن اللقاء، أبدى الجانب الإندونيسي اهتمامًا بالمؤلفات، ورأى أن بعض الأفكار المطروحة فيها تلتقي مع المنهج الفكري والتربوي الذي تتبناه المؤسسة.
ولم يتوقف الحوار عند الطلاب، إذ امتد إلى الجانب التعليمي من خلال لقاء مع المدرسين وأعضاء هيئة التدريس، وفي هذه الجلسة، انتقل النقاش إلى مساحة أوسع تتعلق بالقضايا الفكرية والتربوية التي تواجه المجتمعات الإسلامية، مع الاستناد إلى أفكار واردة في كتاب “فلسفة الإصلاح الحضاري في القرآن الكريم”، ويكشف هذا الجزء من الزيارة عن محاولة ربط القراءة الفكرية للقرآن بالقضايا التي يواجهها الإنسان والمجتمع في الواقع، بدل حصر النقاش في الجانب النظري.
ومن اللافت أيضًا أن البرنامج تضمن زيارة لمعهد الفتيات، حيث اطلع الدكتور تامر الغزاوي على جانب من اختبار في مادة التفسير إلى جانب مستوى الطالبات في كتابة الآيات القرآنية بالخط العربي، وهذه التفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تعكس طبيعة المنظومة التعليمية داخل المؤسسة التي تجمع بين دراسة القرآن والعناية باللغة العربية وفنون الكتابة.
ومن زاوية أوسع، تأتي هذه الزيارة ضمن سلسلة من التحركات التي تقوم بها مؤسسة رسالة السلام العالمية في إندونيسيا للتعريف بمؤلفات وأفكار الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، فالتحرك لم يقتصر على فعالية واحدة أو مدينة واحدة، بل امتد بين مناطق مختلفة من إندونيسيا، وهو ما يبرز اتساع المساحة الجغرافية التي تتحرك فيها المؤسسة للتواصل مع الجامعات والمعاهد والمراكز الدينية والتعليمية.
وبعد فترة من اللقاءات في جاوة الشرقية، انتقل النشاط إلى جاوة الوسطى لتأتي زيارة جبل لاو باعتبارها محطة جديدة في هذا المسار، واللافت أن الوصول إلى مؤسسة تقع في منطقة مرتفعة وبعيدة نسبيًا عن المراكز الحضرية الكبرى يؤكد أن انتشار الحوار الفكري لا يرتبط بالضرورة بالموقع الجغرافي، وإنما بوجود مؤسسات وجمهور لديهم اهتمام بالموضوع المطروح.
وتطرح هذه التجربة سؤالًا مهمًا حول الطريقة التي تنتقل بها الأفكار بين المجتمعات المختلفة. فالكتاب عندما يصل إلى مؤسسة تعليمية، ثم يتحول محتواه إلى مادة للنقاش أمام آلاف الطلاب ويطرح مرة أخرى في حوار مع المعلمين فإنه ينتقل من كونه نصًا مكتوبًا إلى مادة للحوار والتفاعل، وهذه النقطة تحديدًا تبدو حاضرة في تجربة مؤسسة رسالة السلام العالمية بإندونيسيا.
كما أن اختيار موضوعات ترتبط بالقرآن والإصلاح وبناء الإنسان يمنح اللقاءات مساحة مشتركة مع المؤسسات التعليمية والدينية التي تستقبلها، خصوصًا أن الحوار يجري داخل بيئات لديها اهتمام أصيل بهذه القضايا، ومن هنا يصبح التعريف بالمؤلفات جزءًا من حوار ثقافي وفكري أوسع لا مجرد نشاط للترويج للكتب.
وفي النهاية، فإن مشهد أكثر من ثلاثة آلاف طالب داخل قاعة واحدة للاستماع إلى محاضرة حول كتاب يتناول العلاقة بالقرآن إلى جانب لقاءات مع المعلمين وتقديم مؤلفات فكرية إلى مسؤولي المؤسسة، يقدم صورة عن طبيعة المسار الذي تسلكه هذه الكتب في إندونيسيا، فمن جاوة الشرقية إلى جاوة الوسطى، ومن الجامعات والمعاهد إلى المؤسسات القرآنية، تستمر اللقاءات التي تضع أفكار الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي أمام جمهور جديد، وتفتح المجال لمناقشتها في سياقات تعليمية وثقافية مختلفة.



