علاء عبدالله يكتب: حين يصبح القرآن مرجعية للفهم.. قراءة في رؤية علي محمد الشرفاء حول مسؤولية الإنسان أمام الله
يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله مجموعة من القضايا الدينية والفكرية التي تدور حول مفهوم المرجعية في فهم الدين، وينطلق في ذلك من الآيات القرآنية التي يستشهد بها لتأكيد أن القرآن هو المصدر الذي ينبغي أن يعود إليه الإنسان في قضايا الهداية والتشريع والقيم والمعاملات، ولا يكتفي المقال بعرض هذه الفكرة بصورة نظرية بل يربطها بمسألة أوسع تتعلق بكيفية بناء علاقة الإنسان بكتاب الله ودور العقل في فهم ما يقرأه وتدبره.
ويستند الشرفاء في طرحه إلى عدد من الآيات التي تتناول مواقف رافضة للرجوع إلى ما أنزل الله ويقدم من خلالها قراءته لمفهوم النفاق باعتباره مرتبطًا بالإعراض عن الاحتكام إلى القرآن، ومن هنا ينتقل الكاتب إلى نقد ما يراه اعتمادًا على موروثات وروايات جعلها البعض في منزلة تتقدم على النص القرآني، مؤكدًا أن التعامل مع القرآن ينبغي أن يقوم على القراءة والفهم والتدبر وليس على اتباع ما وجد عليه الإنسان آباءه دون إعمال للعقل.
وتظهر في المقال قضية مركزية أخرى تتمثل في العلاقة بين القرآن والقيم التي تنظم حياة المجتمعات، فالشرفاء لا يتعامل مع الآيات التي يستشهد بها باعتبارها أحكامًا منفصلة عن الواقع، وإنما يربطها بمفاهيم مثل العدل والحرية والتعاون والتراحم واحترام حقوق الآخرين، ويستشهد بقوله تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”، ليؤكد أن القيم القرآنية قادرة على تأسيس علاقات اجتماعية تقوم على التعاون والفضيلة ورفض الاعتداء.
كما يتناول المقال مسألة المسؤولية الدينية وحدود سلطة الإنسان في الحكم على الآخرين، إذ يؤكد الشرفاء أن مهمة الرسول الكريم تتمثل في تبليغ الرسالة بينما يبقى الحساب النهائي للناس عند الله، ويستند في ذلك إلى الآية التي تصف مشهد الفصل بين الناس يوم القيامة، بما يرسخ في سياق طرحه فكرة أن الله هو صاحب الحكم النهائي على أعمال البشر ومعتقداتهم، وتمثل هذه النقطة امتدادًا لفكرة يكررها الكاتب في عدد من كتاباته وهي ضرورة عدم تحويل الإنسان إلى صاحب سلطة مطلقة على مصائر الآخرين.
ومن القضايا التي يتوقف عندها المقال كذلك مسألة التوسل بالأولياء بعد وفاتهم، حيث يرفض الشرفاء هذا التصور مستندًا إلى آيات تؤكد أن الدعاء والاستعانة بالله مباشرة وأن الإنسان لا يحتاج إلى وسيط بينه وبين خالقه، ويستشهد تحديدًا بآية “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان” باعتبارها أساسًا لرؤيته حول مباشرة العلاقة بين الإنسان والله.
وفي هذا الجزء من المقال، لا يقتصر النقاش على قضية عقدية منفردة، بل يرتبط بمفهوم أوسع لدى الكاتب يتمثل في تحرير الإنسان من التصورات التي يرى أنها تحول بينه وبين النص القرآني، ولذلك يستشهد بآيات سورة الأعراف التي تتناول عجز من يُدعون من دون الله عن الاستجابة، ويقدمها باعتبارها دعوة إلى توجيه العبادة والدعاء إلى الله وحده بعيدًا عن أي تصور يمنح البشر أو الموتى قدرة لا يملكونها.
ويكشف هذا الطرح عن منهج واضح في المقال يقوم على إعادة قراءة عدد من القضايا الدينية من خلال الآيات القرآنية مباشرة مع التركيز على مفاهيم التوحيد والمسؤولية الفردية والعقل والتدبر، وفي الوقت نفسه، فإن بعض هذه القضايا ترتبط بتفسيرات دينية ومذهبية متباينة، ولذلك فإن فهم المقال يكون أدق عند وضعه ضمن الإطار الفكري الذي يتبناه صاحبه بدل تقديم أطروحاته باعتبارها محل اتفاق بين جميع المدارس أو الاتجاهات الإسلامية.
وفي ختام مقاله، يعود علي محمد الشرفاء الحمادي إلى الفكرة الأساسية التي بنى عليها طرحه، وهي الدعوة إلى اتباع ما أنزل الله وعدم جعل المرجعيات البشرية بديلًا عن القرآن، ويستشهد بقوله تعالى: “اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء” ليجعل من هذه الآية خاتمة لرسالته الفكرية في المقال.
وبذلك يمكن قراءة النص باعتباره محاولة لتأكيد مركزية القرآن في تشكيل الوعي الديني والأخلاقي مع الدعوة إلى إعمال العقل في فهم آياته وربطها بسلوك الإنسان في الحياة، كما يعكس المقال اهتمام المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي بقضايا تتصل بالتوحيد والعدل والحرية والمسؤولية الفردية، ورغبته في تقديم قراءة دينية يراها قائمة على العودة المباشرة إلى النص القرآني وتدبره.



