مقالات

علاء عبدالله يكتب: حين يصبح القرآن مرجعية لبناء الإنسان وصناعة مجتمع قائم على الرحمة والعدل

يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “إنك على صراط مستقيم (1-2)” رؤية فكرية تنطلق من التأكيد على أن القرآن الكريم هو المرجعية الأساسية لفهم رسالة الإسلام ومقاصدها، وأن العودة إلى آياته وتدبر معانيها تمثل مدخلًا لفهم الدين بعيدًا عن التأويلات التي يرى الكاتب أنها أسهمت في تشويه صورته وإبعاده عن القيم التي جاء لترسيخها بين الناس.

ويركز الشرفاء الحمادي في بداية طرحه على التكليف الإلهي للرسول، موضحًا أن مهمته تتمثل في تبليغ رسالة الله وبيان آياته للناس وليس إنشاء منظومة دينية منفصلة عن القرآن، ومن هذا المنطلق يؤكد الكاتب أن القرآن يقدم إطارًا واضحًا للقيم التي يفترض أن تنظم حياة الإنسان، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والحرية والتعاون وحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.

وتبرز في المقال فكرة محورية تتعلق بمفهوم حكم الله للناس، حيث يناقش الكاتب خطورة أن يتحول الإنسان إلى مصدر لأحكام دينية تُنسب إلى الإسلام دون أن تستند إلى القرآن، ويرى أن بعض التشريعات والتفسيرات التي تراكمت عبر التاريخ ساهمت في تقديم صورة مختلفة عن جوهر الرسالة الإسلامية، وهو ما يدفعه إلى الدعوة للعودة إلى النص القرآني باعتباره المرجع الذي ينبغي أن تُقاس عليه الأفكار والتصورات الدينية.

ولا يكتفي المقال بالحديث عن المرجعية الدينية، بل يربطها بصورة مباشرة بحياة الناس وعلاقاتهم اليومية، إذ يوضح أن الرسالة القرآنية، وفق رؤيته، تهدف إلى إقامة مجتمع تسوده الطمأنينة والتعاون والتكافل، وتحفظ للإنسان حقوقه وحريته وكرامته، ولذلك تظهر مفاهيم الرحمة والعدل والإحسان في المقال باعتبارها ليست مجرد قيم أخلاقية وإنما أسسًا ضرورية لاستقرار المجتمعات.

ومن اللافت كذلك أن الكاتب يربط بين الالتزام بالقرآن وبين بناء علاقات إنسانية أكثر توازنًا مؤكدًا أن الإسلام في جوهره يدعو إلى التعامل بالحسنى ويحرم العدوان والظلم، ويستشهد في هذا السياق بعدد من الآيات القرآنية التي تدعو إلى التعاون والتقوى، وتحذر من الظلم والعدوان، بما يعكس اهتمام المقال بإبراز الجانب الإنساني والاجتماعي في الخطاب القرآني.

وفي جانب آخر، ينتقد الشرفاء الحمادي ما يصفه بوجود اجتهادات ومناهج متعددة نسبت إلى الإسلام، ويرى أن بعضها ابتعد عن مقاصد القرآن وأدى إلى ظهور تصورات متناقضة مع قيم الرحمة والعدل، ومن هنا تأتي دعوته إلى إعادة قراءة الروايات والتفسيرات في ضوء القرآن بدل التعامل معها باعتبارها مرجعًا نهائيًا لا يقبل المراجعة أو النقاش.

ويخصص المقال مساحة واضحة للتحذير من توظيف الخطاب الديني في صناعة الكراهية والانقسام، حيث يشير إلى أن بعض القراءات قد أسهمت في تعزيز الخلافات بين المسلمين وإنتاج أفكار متشددة لا تتوافق، بحسب رؤيته، مع المبادئ القرآنية التي تؤكد الرحمة والإحسان وحسن التعامل، وهنا ينتقل النقاش من مسألة تفسير النص إلى تأثير هذا التفسير في الواقع الاجتماعي وعلاقات الناس ببعضهم.

ويقدم الكاتب في هذا السياق ما يمكن اعتباره خريطة لطريق الهداية، تقوم على اتباع القرآن وتدبر آياته والبحث عن مقاصده التي تقود الإنسان من الظلمات إلى النور، ومن الظلم إلى العدل، ومن الصراع إلى السلام، ويربط هذه الرؤية بمسؤولية الإنسان في اختيار طريق الحق والعمل الصالح بدل الاكتفاء بالشعارات أو الانتماء الشكلي إلى الدين.

كما يتناول المقال مفهوم التكافل باعتباره أحد التطبيقات الاجتماعية المهمة للقيم القرآنية، موضحًا أن المجتمع لا يمكن أن يستقيم بمجرد الحديث عن الحقوق، وإنما يحتاج إلى تعاون حقيقي بين أفراده، وإلى قيام كل طرف بمسؤوليته تجاه الآخرين، وفي هذا الإطار تبدو العدالة الاجتماعية جزءًا من المنظومة الأخلاقية التي يسعى الكاتب إلى إبرازها من خلال قراءته للقرآن.

ويشير المقال أيضًا إلى أن التاريخ شهد ظهور نصوص وروايات واجتهادات لا تتفق، من وجهة نظر الكاتب، مع روح القرآن، وهو ما أدى إلى اختلافات فكرية ومذهبية انعكست على المجتمعات الإسلامية، لذلك يؤكد أن إعادة النظر في تلك الموروثات من خلال القرآن يمكن أن تفتح الباب أمام قراءة أكثر توحيدًا لمقاصد الدين، بعيدًا عن التناقضات التي صنعتها تعددات التفسير.

وتتضح أهمية هذا الطرح في أن الشرفاء الحمادي لا يتعامل مع القرآن باعتباره كتابًا للعبادات فقط، وإنما يقدمه باعتباره مرجعية تشمل جوانب متعددة من حياة الإنسان بدءًا من الأخلاق والتعامل مع الآخرين وصولًا إلى العدل والحقوق والسلام الاجتماعي، وبذلك تصبح العودة إلى القرآن مشروعًا لإعادة بناء العلاقة بين الدين والحياة على أساس القيم الإنسانية التي يؤكد عليها النص القرآني.

وفي النهاية، يمكن قراءة مقال “إنك على صراط مستقيم” باعتباره دعوة إلى مراجعة الطريقة التي يتم من خلالها فهم الخطاب الديني، والتمييز بين ما يقدمه القرآن من مبادئ وقيم، وبين ما تراكم حوله من اجتهادات وروايات وتفسيرات، ويضع الكاتب في قلب هذه المراجعة مجموعة من القيم التي يراها جوهر الرسالة الإسلامية، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والحرية والتعاون والتكافل، مؤكدًا أن استعادة هذه المعاني يمكن أن تسهم في تقديم صورة أكثر ارتباطًا بالإنسان وكرامته وحقوقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى