علاء عبدالله يكتب: الإيمان بين المعرفة التي تصنع اليقين والعمل الذي يكشف صدقه
يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، سؤالًا يتجاوز حدود الترديد اللفظي للشهادة إلى البحث في معناها الحقيقي وأثرها في حياة الإنسان، وتنطلق الفكرة من أن الشهادة في مفهومها اللغوي لا تقوم على مجرد النطق وإنما ترتبط بالعلم واليقين والإقرار بما عرفه الإنسان وأدركه، ومن هنا تصبح العلاقة بين الإيمان والمعرفة محورًا أساسيًا في فهم حقيقة الالتزام الديني.
ويضع الشرفاء أمام القارئ مفارقة واضحة تتمثل في إمكانية أن يردد الإنسان عبارات الإيمان دون أن يتوقف عند معانيها أو يبحث في مضمون الرسالة التي يعلن التصديق بها، فالمسألة لا تتعلق بعدد مرات تكرار الكلمات وإنما بمدى حضور المعرفة والقناعة وراء هذا الترديد، لأن الإيمان الذي لا يصاحبه وعي قد يتحول إلى ممارسة شكلية منفصلة عن جوهرها الأخلاقي والإنساني.
ويعتمد الشرفاء على الاستناد إلى القرآن الكريم في الحديث عن معرفة الله وصفاته معتبرًا أن تدبر هذه المعاني يمثل مدخلًا لفهم الإيمان بصورة أعمق، كما يتناول طبيعة الرسول باعتباره بشرًا يوحى إليه في محاولة للتأكيد على ضرورة فهم الرسالة والرسول ضمن الإطار الذي يحدده القرآن، بعيدًا عن التصورات التي قد تخرج العلاقة بالرسول عن طبيعتها التي يعرضها النص القرآني.
وفي هذا السياق، تصبح المعرفة مرحلة سابقة على الالتزام وليست نتيجة لاحقة له فقط؛ فكلما ازداد الإنسان فهمًا لما يؤمن به أصبحت ممارسته أكثر ارتباطًا بالقناعة والإدراك، ومن هنا يربط الطرح بين المعرفة واليقين، وبين اليقين والقدرة على تحويل الاعتقاد إلى سلوك ملموس في الحياة اليومية.
من الأفكار التي يبرزها الشرفاء كذلك العلاقة بين محبة الله والاتباع العملي، فالمحبة لا تظل مجرد شعور داخلي أو عبارة يعلنها الإنسان وإنما تظهر في السلوك والاختيارات وطريقة التعامل مع الآخرين، وهنا تنتقل الفكرة من الجانب العقائدي إلى المجال الأخلاقي؛ إذ يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا يقول الإنسان عن إيمانه، وإنما كيف ينعكس هذا الإيمان على حياته وعلاقاته ومواقفه، فصدق الاعتقاد، بحسب الطرح، يمكن أن يظهر من خلال الالتزام بالقيم التي يؤمن بها الإنسان وتحويلها إلى ممارسة يومية.
وينتقد الطرح اختزال الإسلام في مجموعة من المظاهر والطقوس التي قد تنفصل إذا مورست بصورة شكلية عن المقاصد الأخلاقية والاجتماعية الأوسع، وفي المقابل يقدم الإسلام باعتباره مشروعًا حضاريًا وأخلاقيًا يستند إلى القرآن ويهتم ببناء الإنسان والمجتمع وتحقيق الأمن والتعايش.
ويذهب الطرح إلى تفسير هذا الاختزال باعتباره نتيجة محاولات تاريخية لصرف الاهتمام عن جوهر الرسالة وهي قراءة يقدمها صاحب الطرح ضمن رؤيته الفكرية، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التفسير، فإن القضية الأساسية التي يثيرها تستحق التأمل وهي العلاقة بين النص الديني وبين الطريقة التي يتحول بها إلى سلوك وممارسة داخل المجتمع.
وتصل الفكرة في نهايتها إلى نقطة عملية وهي أن الإيمان لا يكتمل في صورته التي يعرضها الطرح إلا عندما ينتقل من المعرفة والقناعة إلى السلوك، فالمسار يبدأ بالتعرف إلى الخالق وفهم الرسالة ثم يتشكل اليقين، وبعد ذلك يأتي الالتزام الذي يجد تعبيره في الممارسة اليومية والأخلاق في التعامل مع الآخرين.
وهذا الربط يمنح الطرح بعدًا يتجاوز النقاش النظري لأنه يضع السلوك الإنساني باعتباره مساحة أساسية لقياس أثر القناعة الداخلية، فالإيمان لا يعيش بمعزل عن الواقع، بل يفترض أن ينعكس في صورة مسؤولية وأمانة وعدل وتعايش وسلام.
وفي النهاية، يترك الشرفاء سؤالًا مفتوحًا أمام القارئ حول طبيعة إيمانه ومصادر قناعته: هل تقوم المواقف والمبادئ على معرفة وفهم حقيقيين، أم تتحول بعض الممارسات إلى عادات تتكرر دون تدبر لمعانيها؟ وهو سؤال يجعل القضية المطروحة أقرب إلى دعوة للتأمل في العلاقة بين المعرفة والإيمان والعمل، وفي قدرة الإنسان على تحويل ما يؤمن به إلى أثر إيجابي يظهر في حياته ومحيطه.
ويظل جوهر الرسالة التي يقدمها الشرفاء الحمادي قائمًا على الانتقال من القول إلى الفعل، ومن المعرفة النظرية إلى السلوك، بحيث يصبح الإيمان، في صورته العملية، قيمة تنعكس على الإنسان والمجتمع وتدعم معاني السلام والتعايش.



