علاء عبدالله يكتب: شاب إندونيسي يفتح نافذة جديدة أمام مشروع العودة إلى القرآن
يكشف تفاعل الشاب الإندونيسي محمد عزام آرياسين مع أفكار المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي عن اتساع دائرة الاهتمام بالمشروع الفكري الذي يطرح قضية العودة إلى القرآن الكريم بوصفه منهجًا قادرًا على بناء الإنسان وحماية المجتمع، فالمشاركة التي جاءت من مدينة لامبونج بجزيرة سومطرة لا تتوقف عند الإشادة بمقال أو فكرة، وإنما تعكس وصول هذا الخطاب إلى شريحة شبابية خارج العالم العربي وهو ما يمنح القضية بعدًا يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
وتتمثل الفكرة المحورية في المقال الذي تناوله الشاب الإندونيسي في أن العودة إلى القرآن ليست مجرد شعار ديني، وإنما عودة إلى منهج يرى فيه الكاتب أساسًا لإقامة حياة تقوم على الرحمة والسلام والعدل والحرية والتعايش، وهذه الرؤية تضع القرآن في موقع المرجعية التي يمكن من خلالها إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي تؤثر في حياة الإنسان والمجتمع، بدلًا من أن تظل العلاقة مع النص القرآني محصورة في التلاوة أو المظاهر الدينية دون امتداد واضح إلى الواقع.
ويكتسب التفاعل الإندونيسي أهميته من ارتباطه بالشباب، لأن وصول الأفكار إلى هذه الفئة يكشف قدرتها على الدخول في نقاشات تتصل بالهوية والمجتمع ومستقبل الأوطان، فالشباب يبحثون بطبيعتهم عن إجابات تتعلق بعلاقتهم بالدين والواقع، وعندما يجدون خطابًا يربط التدين بقيم الرحمة والعدل والسلام واحترام الإنسان، فإن ذلك يفتح مجالًا أمام قراءة مختلفة للدين تقوم على البناء بدلًا من الصراع.
كما أن الربط بين العودة إلى القرآن وحماية الأوطان يمثل جانبًا مهمًا في هذا الطرح، إذ لا ينظر إلى الإصلاح الديني باعتباره قضية فردية منعزلة عن المجتمع، وإنما باعتباره مدخلًا لإعادة بناء منظومة القيم التي تحكم العلاقات بين أفراده، فالمجتمع الذي تسوده العدالة والرحمة والتسامح والتعايش يكون أكثر قدرة على حماية استقراره، بينما تؤدي المفاهيم القائمة على العنف والكراهية والانقسام إلى إضعاف النسيج الاجتماعي وتهديد أمن الأوطان.
ويشير المقال كذلك إلى أن المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي يجد اهتمامًا في إندونيسيا عبر محافل أكاديمية وعلمية وثقافية، وهو ما يضيف بعدًا آخر إلى هذا الحضور. فانتقال الأفكار من نطاقها المحلي إلى فضاءات ثقافية مختلفة يجعل اختبارها أكثر اتساعًا، ويمنحها فرصة للدخول في حوارات جديدة حول قضايا الدين والإنسان والمجتمع والسلام.
وتأتي الإشارة إلى زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى مدينة لامبونج خلال أبريل 2026 لتوضح أن التفاعل لم يأتِ في فراغ، وإنما جاء في سياق جهود للتواصل ونشر الأفكار والقيم المرتبطة بالسلام والرحمة والعدل والتسامح والأخوة الإنسانية، وتحول هذه الزيارات الأفكار من نصوص مكتوبة إلى تواصل مباشر مع المجتمعات، بما يسمح بطرحها ومناقشتها في بيئات ثقافية مختلفة.
ومن اللافت في هذه المشاركة أن الرسالة لم تركز على الجانب النظري وحده، وإنما قدمت العودة إلى القرآن باعتبارها طريقًا يمكن أن يرتبط بحياة الناس وأمن مجتمعاتهم. وهنا تظهر أهمية إعادة تعريف الخطاب الديني من خلال أثره في الواقع؛ فالقيمة الحقيقية لأي خطاب لا تتحدد فقط بما يحمله من أفكار، وإنما بقدرته على تقديم رؤية تساعد الإنسان على مواجهة مشكلاته وبناء علاقاته على أسس أكثر عدلًا ورحمة.
كما يلفت هذا التفاعل إلى أهمية تجاوز الخطاب الذي يحصر الدين في الصراعات المذهبية أو القراءات التي تنتج الانقسام مقابل خطاب يسعى إلى التركيز على القيم الإنسانية المشتركة، فالرحمة والسلام والعدل والتعايش ليست قيمًا تخص مجتمعًا دون آخر، وإنما مبادئ يمكن أن تلتقي حولها الشعوب مهما اختلفت لغاتها وثقافاتها وخلفياتها.
وفي هذا السياق، تبدو مشاركة شاب إندونيسي في الحديث عن أفكار المفكر العربي مؤشرًا على أن النقاش حول القرآن ودوره في بناء الإنسان لم يعد محصورًا في نطاق عربي، وإنما أصبح حاضرًا في مساحات ثقافية أخرى، كما أن اهتمام الشباب بهذه الأفكار يمنح المشروع فرصة للانتقال من دائرة النخبة إلى أجيال تبحث عن فهم يربط الإيمان بالسلوك، والدين بالسلام، والعودة إلى القرآن بمسؤولية الإنسان تجاه وطنه ومجتمعه.
وفي النهاية، فإن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في إشادة شاب إندونيسي بمقال “العودة إلى القرآن يحفظ الأوطان” وإنما في الدلالة التي تحملها على اتساع النقاش حول العلاقة بين القرآن وبناء المجتمعات، فالعودة إلى القرآن، وفق الرؤية التي يعرضها المقال، ليست رجوعًا إلى الماضي بقدر ما هي محاولة لاستعادة قيم قادرة على التعامل مع الحاضر، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والسلام والحرية والتعايش، ومن هنا يمكن فهم هذا التفاعل الشبابي باعتباره مساحة جديدة للحوار حول خطاب ديني يضع الإنسان وسلام المجتمع وحماية الأوطان في قلب اهتمامه.



