مقالات
د . ايمان رجب تكتب … حرب إيران بين مخاطر التصعيد وفرص التسوية

تشهد المنطقة خلال الفترة الحالية الممتدة بين انتخابات الكنيست الإسرائيلى 27 أكتوبر والتجديد النصفى للكونجرس الأمريكى 3 نوفمبر استقطابا حادا بين القوى الداعمة لتصعيد العمل العسكرى ضد إيران والقوى الداعية للتهدئة والتسوية السلمية للحرب بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سلبية على المنطقة، ولكن فى خضم هذا الاستقطاب تتشكل فرصة أمام الوسطاء الإقليميين قد تمهد لمحادثات تضع نهاية لهذه الحرب.
تتألف القوى الداعمة لتصعيد العمل العسكرى من الأطراف المباشرة فى الحرب والتى لا يقبل أى منها تقديم أى تنازل دعما لجهود التهدئة والوساطة، حيث يتبنى رئيس الوزراء الإسرائيلى موقفا يدعو لاستئناف ضرب إيران بعد 3 نوفمبر بهدف القضاء على برنامجها النووى وإسقاط النظام الحاكم. بينما تتبنى الإدارة الأمريكية مسارين متوازيين، أحدهما يتيح فرصة لجهود الوساطة من خلال حديث وزير الخارجية الأمريكى عن أن الرئيس الأمريكى يفضل تسوية الحرب سياسيا، كما أرسل نائب الرئيس الأمريكى رسالة الى أمين المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى محسن رضائى وهى الأولى من نوعها، حول إمكانية تجدد المفاوضات وفق إطار محدد تقترحه واشنطن. والمسار الثانى هو التلويح باحتمال تجدد الضربات العسكرية وفق خيارات محددة تعدها القيادة المركزية الأمريكية ، فوفق ما أوضحه الرئيس ترامب هناك مخطط لضرب جيل الفأس وهدف نووى آخر داخل إيران، مع وصول امدادات وذخائر ودفاعات جوية جديدة للمنطقة خلال الفترة الحالية. وردا على ذلك تتبنى إيران موقفا متشددا من مسألة إنهاء الحرب، ففى حين تنخرط فى أى جهود للمحادثات من الوسطاء الإقليميين، فهى فى الوقت نفسه تتحدث عن استعدادها لاى تصعيد عسكرى، وفى هذا السياق أعلن المرشد الأعلى لإيران توجيهات للقيادات الإيرانية فى 31 أكتوبر الماضى نصها «الرد على تهديدات العدو دون قيود جغرافية»، وأن «جميع الأصول التابعة للعدو ستكون ضمن بنك الأهداف الإيرانية».
أما القوى الداعية للتسوية السلمية فتتألف من الأطراف التى تدرك تكلفة انكسار التهدئة الهشة الموجودة حاليا واستئناف القوات الأمريكية والإسرائيلية هجمات ضد إيران، حيث نشهد نشاطا مكثفا لجهود الوساطة على مستويات عدة، سواء فى اطار الرباعية الإقليمية التى تضم. مصر والسعودية وتركيا وباكستان والتى اجتمعت أخيرا مع فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا لتأكيد أهمية التسوية السلمية للحرب ودعم الوساطة التى تبذل فى هذا الصدد أو بشكل فردى من جانب قطر التى تعمل بشكل مكثف لدعم الجهود الباكستانية طوال الأيام الماضية.
ويخلق هذا الاستقطاب نافذة للوسطاء الإقليميين تسمح لهم بتحقيق اختراق يقود لتسوية تنهى الحرب، وترتكن هذه النافذة الى عدة ركائز، أولاها: الضغوط والخسائر الاقتصادية الناتجة عن غلق مضيق هرمز وحالة الاضطراب فى حركة الملاحة فى باب المندب وأسواق الطاقة والتى لحقت بدول ليست أطرافا مباشرة فى هذه الحرب ، فعلى سبيل المثال صرح المستشار الألمانى فريدريش ميرتس منذ أيام بأن الخسائر الاقتصادية التى تحملتها الدول الأوروبية بسبب الحرب بلغت 100 مليار يورو.
وثانيتها: تشكل توافق إقليمى ودولى بعدم المشاركة فى توسيع نطاق الحرب أساسه التمييز بين تعزيز القدرات الدفاعية للسعودية لحماية أمنها الوطنى والانخراط فى عمليات هجومية تطيل أمد الحرب، فمثلا حين اتفقت دول حلف مكة فى 5 أكتوبر 2026 على تفعيل الحلف فى مواجهة الجماعة الحوثية تم تحديد ذلك ضمن اجراءات الردع المتفق عليها بين الأطراف، وأكدت باكستان أن ذلك لا يتضمن نشر قواتها داخل الأراضى اليمنية، كما سعت دول حلف مكة للتشاور مع إيران بالتزامن مع تجدد حديث إيران عن رغبتها فى الانضمام للحلف وفى الوساطة بين السعودية والجماعة الحوثية وفى العمل على انشاء نظام إقليمى للدفاع الجوى والأمن البحرى فى المنطقة. وذلك فضلا عن تحديد مصر مهمة القوات التى يمكن ان ترسلها للسعودية فى حال طلب منها ذلك فى المهام الدفاعية عن أمن السعودية، كما حددت بريطانيا مهمة طائرات تايفون الملكية التى أعلنت أخيرا عن إرسالها للسعودية فى القيام بمهام دفاعية داخل الإقليم السعودى دون تنفيذها أى ضربات هجومية ضد الحوثيين.
أما الركيزة الثالثة وهى الأهم، فهى ان هذا الاستقطاب تولد عنه وضوح الشروط الأمريكية والإيرانية المسبقة لبدء المحادثات والتفاوض على انهاء الحرب، فوفق ما أعلن فى 2 نوفمبر تصر واشنطن على تقديم إيران تنازلات تتعلق ببرنامجها النووى من خلال السماح لمفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة مقار البرنامج التى استهدفت خلال الحرب، فى حين تتمسك طهران بثلاثة شروط هي: ان تنهى واشنطن الحصار البحرى لها، وتفرج عن الأموال المجمدة وتسمح لها ببيع النفط. وهذا الوضع يسمح للوسطاء بتوظيف مداخل متعددة للوساطة تستخدم ما لديهم من أدوات للضغط لإقناع كل من طهران وواشنطن بإمكانية تجزئة الشروط المسبقة لعقد المحادثات المباشرة بينهما وفق أطر زمنية قصيرة المدة، وذلك بدلا من التعامل معها كحزمة واحدة من الشروط، أما تقبل مرة واحدة أو ترفض كما كان الوضع فى جولات الوساطة السابقة.
المقال كاملا



