تاريخ مملكة الذهب.. كيف كانت «مالي» أغنى ممالك الأرض؟

لا يُعرف علي وجه الدقة متي نشات مملكة مالي القديمة؛ وذلك نظرًا لشُح المصادر التاريخية التي تحدثت عن تاريخ هذه المملكة الإفريقية، رغم أنها كانت تعد من أقوى وأعظم الدول في منطقة السودان الغربي (غرب إفريقيا)، وتقع دولة مالي حاليًا غرب قارة إفريقيا أو بلاد السودان الغربي، وتبلغ مساحة مالي حاليًا قًرابة مليون و240 ألف كيلو متر مربع.
تاريخ مملكة الذهب
وتعتبر مملكة مالي من أقوي ممالك بلاد السودان الغربي، وكذلك كانت من أوفرها ثراءً وغني ، وقد أسس مملكة مالي القديمة أحد الشعوب الزنجية، واسمه «الماندنجو»، ويعني باللغة المحلية “الذين يتكلمون لغة الماندي”، بينما الفولاني علي هذا الشعب اسم “مالي”، أما البربر فيطلقون “مل” أو “مليت”.
وهنا نتحدث عن فكرة سريعة عن تاريخ تأسيس المملكة عن طريق :
الملك “سندياتا كيتا ماري جاطة” (636هـ ـ 356هـ ـ 1230 ـ 1255م):
بدأت بذور مملكة مالي في إقليم “الماندجو” وعن تأسيس المملكة، يقول المستشرق “مارسيل جوييم” إن النواة الأولى لإمبراطورية مالي هي إقليم “الماندنجو”، وهو يُعرف أيضًا باسم “الونجارة”، ويُقع في أعالي نهر النيجر في اتجاه مدينة بماكو، وعلي الحدود مع غينيا.
وفي حوالي سنة 442هـ 1050م اعتنق ملك مالي الاسلام ، وذهب لاداء فريضة الحج ، ومنذ ذلك الوقت صار ملك الماندنجو يحمل لقب السلطان . وفي سنة 628هـ ـ 1230م ، اعتلي عرش مالي الملك سندياتا (1230 م ـ 1255م) وهو يُعرف أيضا باسم “سوندياتا كيتا”، وكذلك اشتهر في المصادر بـ”ماري جاطة”، واسم جاطة في الغالب هو تصحيف لاسم “كيتا” المحلي في رأي المؤلف، وتمكن هذا الملك القوي من أن يجعل دولته الصغيرة إمبراطورية كبري في مناطق غرب إفريقيا “بلاد السودان الغربي”، ويعد المؤرخون “سندياتا” بمثابة مؤسس المملكة وأقام جيشًا قويًا لبلاده واعتمد عليه في توطيد أركان حكمه.
واستطاع أن يُحرز نصرًا عسكريًا كبيرًا سنة 633هـ/ 1235م علي شعب الصوصو، وهم سكان مملكة تقع غربي مالي، وتمكن حكامها من إسقاط مملكة غانة سنة 1203م، وصارت بعد ذلك تابعة لحكام الصوصو ـ ويُطلق علي “سندياتا” الأسد الجائع إذا كان طموحًا بلا حدود وأراد أن يجعل مالي أكبر ممالك غرب إفريقيا.
السلطان منسا ولي “منسا علي” (653 ـ 669هـ ـ 1255 م ـ 1270م)
ثم خلف الملك سندياتا كيتا ماري جاطة علي عرش مالي ملك جديد يدعي “منسا ولي” الذي حكم في الفترة التي تمتد فيما بين سنة (653 ـ 669هـ ـ 1255 ـ 1270م)، وقيل اسمه “منسا أولي”، ولعله في الغالب تصحيف لاسم “علي”، كما ورد في بعض المصادر الأخرى، وهو يشير إلى توغل الإسلام في هذه البلاد آنذاك، وعلى أية حال استمرت حركة التوسع في عهد السلطان الجديد، حيث استولى علي منطقة وانجارة، وهي التي تشتهر بوجود مناجم الذهب، كما استولي السلطان “منسا ولي” علي مدينتي بامبوك وبندو .
وصار التوسع سياسة اتبعها ملوك مالي بعد ذلك حتي زمان السلطان الأشهر في هذه المملكة، وهو منسا موسي (712ـ 738هـ/ 1312 ـ 1337م)، واشتهرت مملكة مالي من جانب آخر إبان حقبة العصور الوسطي باسم ذائع ارتبط بها بقوة، وهو اسم (بلاد التكرور)، لاسيما بين العامة من أهل مصر أيام سلاطين المماليك (648 ـ 923هـ / 1250 ـ 1517م) وعن ذلك يقول الرحالة ابن فضل العمري (المتوفي سنة 749هـ/ 1348م) في كتابه المعروف “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار”، “ويغلب علي سلطان مالي عند أهل مصر سلطان التكرور، إقليم من أقاليم مملكته، والأحب إليه أن يُقال له صاحب مالي؛ لانه يُعد الإقليم الأكبر، والتكرور مدينة من مدنها…….”، بينما يذكر القلقشندي (ت821هـ/ 1418م) في كتابه “صبح الأعشي في صناعة الإنشا” :”مالي المعروفة عند العامة ببلاد التكرور ….”.
ويذهب البعض أن لفظ “التكرور” أو “التكاررة” يُشير إلى جماعات ذات أصول زنجية علي الراجح كانت قد أقامت في المنطقة بالقُرب من أقاليم حوض السنغال، كما قال ابن بطوطة(ت 779هـ/ 1377م) في موضع آخر:”وتوجهت برسم السفر إلى بلاد السودان، فوصلت إلى مدينة سلجامسة .. ومن انلي المجلوب من بلاد السودان …..”، وعلى أية حال سوف تكون لنا وقفة بها إفاضة وتفصيل أكثر عن بلاد التكرور وبعض ما ارتبط بهذه البلاد، لاسيما في أرض مصر، مثل “رواق التكرور” في الأزهر، ومدرسة التكرور (مدرسة ابن رشيق) وكذلك تسمية بولاق التكرور ….. إلخ.
السلطان منسا موسى ( 712 ـ 738هـ / 1312 ـ 1337م )
ورد اسم هذا السلطان حسب بعض الروايات “كانجو موسي”، وهو يُعرف ايضا باسم “موسى الأول”، وعن هذا السلطان يقول المؤرخ ابن كثير (774هـ / 1372م)، ويُقال له “الملك الأشرف موسى بن أبي بكر”، غير أنه اشتهر في المصادر باسم “منسا موسى”، أي “السلطان موسى”، وهو ابن أخت الملك سندياتا (ماري جاطة)، مؤسس مملكة مالي.
ارتقي السلطان منسا موسى العرش في بلاده سنة (712هـ 1312م)، وإذا كان الملك سندياتا كيتا يٌعد المؤسس الحقيقي لمملكة مالي الإسلامية، فإن المؤرخين ـ في ذلك الوقت ـ يجعلون فترة حكم السلطان منسا موسى بمثابة (العصر الذهبي) لهذه المملكة وذروة اتساعها وعظمتها، وتذكر المصادر أن نشأة السلطان منسا موسى كانت نشأة إسلامية، وكانت مملكة مالي قد تحولت إلى الإسلام منذ حوالي سنة (653هـ 1255م)، ومن ثم كان الإسلام دينه ودين أجداده من قبله لمدة ثلاثة قرون.
وكان شعب مالي مُقبلاً جدا علي الإسلام، واستخدام اللغة العربية وحفظ القرآن وكان الناس آنذاك يحثون أبنائهم علي حفظ كتاب الله منذ طفولتهم المُبكرة، حتى إن بعض المؤرخين ذكروا أن اهل تلك البلاد كانو يعاقبون ابنائهم إن لم يحفظو القران الكريم بانتظام.
وذكر ابن بطوطة مملكة مالي في موضع من رحلته الشهيرة:”دخلت علي القاضي يوم العيد وأولاده مقيدون فقلت له: ألا تسرحهم؟، فقال : لا أفعل حتي يحفظون القرآن”.
ويصف ابن كثير مملكة مالي واتساعها، قائلاً:”مملكة متسعة مسيرة ثلاث سنيين”، وفي هذا الوصف مبالغة لاتساع المملكة وامتدادها، وقد زادت الفتوحات العسكرية في أيام منسى موسى وضم لمملكته أراضي كثيرة، حيث استولي علي ولاته وتمبكتو، كما استولي علي جاو (جوا) في أواسط النيجر.
ويقول بعض المؤرخين أنه لم ينجُ من طموحات منسا موسى العسكرية في بلاد السودان الغربي سوي مدينة جني التجارية، وشهدت مملكة مالي (بلاد التكرور) طفرة إدارية غير مسبوقة إبان عصر السلطان منسا موسى، حيث قام هذا السلطان بالعديد من الإصلاحات الإدارية المُهمة، والتي ساهمت بشكل كبير في حركة تطوير النظام الإداري في بلاده.
وتحدث المؤرخون عن صفات منسا موسى، حيث يروي ابن كثير ذلك، فيقول:(يبدو عليه الرجولة والوسامة، وهو شاب جميل الصورة”، ويُمثل حكم السلطان منسا موسي فترة استقرار ورفاهية في مملكة مالي، وخلالها صارت العديد من المدن مراكز ثقافية مهمة في غرب إفريقيا، وبلغت مملكته ذروة اتساعها فكانت تمتد من بلاد التكرور؛ أي السنغال حاليا غربًا إلى منطقة دندي شرقًا حتي الكانم عند بحيرة تشاد، ومدينة ولاتة في الصحراء إلى مرتفعات فوتا جالون جنوبا.
في الحقيقة، كانت مملكة مالي غنية وقوية وحكمها ملوك أقوياء اهتموا بالعلم والإدارة، والأهم من كل ذلك الحرص علي الإسلام، ونشره وبناء المساجد مثل “جامع سنكري” في مدينة تنبكتو، وهو المسجد الذي نال شهرو كبيرة في بلاد السودان الغربي، وصار جامعة علمية كبرى، حقًا إنها مملكة مالي الإسلامية “مملكة الذهب” القوية دينيًا وإداريًا، وأقوي الممالك في غرب إفريقيا.



