تاريخ العرب

مملكة أوفات.. لماذا وصف ابن بطوطة «ميناء اللؤلؤ» بالبحر الأحمر بأقذر بلاد الله؟

مملكة أوِفات أو “سلطنة إيفات”، هي واحدة من الممالك الإسلامية التي يُطلق عليها في المصادر التاريخية اسم مدن أو بلاد “الطراز الاسلامي”، وكذلك اشتهرت حسب بعض الراويات بانها واحدة من “بلاد الزيلع”، قامت في شرق القرن الأفريقي، واستمرت من أواخر القرن الثالث عشر إلى أوائل القرن الخامس عشر الميلادي (حوالي 1285–1415م)، وشملت أراضيها أجزاء من إثيوبيا وجيبوتي والصومال، وحكمتها سلالة “وَلَشْمَع” العربية.

مملكة أوفات

وتُكتب هذه المملكة أيضا “وفات”؛ وذلك دون ورود حرف الالف في الاسم، بينما كان العامة يطلقون عليها “أوفات”، وكانت تكتب بسكون الواو، ويبلغ طول “مملكة اوفات” خمسة عشر يوما، بينما كان عرضها يبلغ عشرين يوما، وكانت أراضيها كلها عامرة، وكانت في هيئة قري متصلة، وكان بها نهر جار، وتعد تلك المملكة أقرب “ممالك الطراز الإسلامي” إلى التخوم والسواحل الخاصة بـ”أرض مصر” والتي تقع في المناطق الجنوبية الشرقية، ومملكة أوفات أقرب كذلك إلى السواحل التي تُطل علي بلاد اليمن.

وتوصف أوفات بأنها أوسع ممالك الطراز أرضًا، وملكها كان يحكم  بلاد الزيلع، وهو ميناء التجار القادمين الي مملكة أوفات، وهو مايشير إلى قوة هذه المملكة، وكذلك لأهميتها التجارية.

والسكان المحليون القاطنون في هذه المملكة كانو من أهل الاسلام، وكانو يدينون بالمذهب الشافعي، حسب بعض الروايات، وكانت  مدينة زيلع من أهم المدن التي تقع ضمن تخوم مملكة أوفات،  وهذه المدينة تطل علي ساحل البحر الأحمر.

وفي هذا الشأن، علينا أن نفرق بشكل واضح بين مدينة “الزيلع” من ناحية، وبين مصطلح “بلاد الزيلع” من ناحية أخري، فهذا الاسم الأخير كان يُقصد به في الغالب كل الممالك السبعة حسب البعض، وليست مدينة زيلع وحدها التي تقع في مملكة أوفات.

وتتسم مدينة زيلع بأنها تقع في مناطق شديدة الحرارة، وهو ما يتوافق بشكل أو بآخر مع شدة الحرارة الموجودة في باقي ممالك الطراز الإسلامي، وكانت زيلع تشتهر بوجود اللؤلؤ بالقرب من سواحلها الممتدة علي البحر الأحمر؛ ولذا كان يكثر التجار الأجانب القدوم إليها؛ نظرًا للحصول علي اللؤلؤ.

وكان من الطبيعي أن تصف بعض المصادر التاريخية، ومنها رحلة ابن بطوطة مدينة زيلع بأنها كبيرة، وكان بها سوق كبيرة وعظيمة، ومن جانب آخر كان الملك أو الحاكم في مملكة أوفات يدعي (فاط)، وكان من عادة ملوك هذه البلاد أنهم كانو يعتصبون علي روؤسهم بعصابة مصننوعة من خيوط الحرير، وكانت هذه العصابة تدور بدائر علي رأس حاكم هذه المملكة؛ بحيث تكون تلك العصابة في وسط الرأس ذاتها فتبدو كما لو كانت مكشوفة.

ومن الروايات اللافتة عن مدينة زيلع ما يشير إليه ابن بطوطة، وهو الذي اشتد على جانب آخر في وصف تلك المدينة وذمها بنعوت قاسية، حيث يصف مدينة زيلع بأنها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها.

ويري الباحث أن السبب فيما يبدو في وصف ابن بطوطة للمدينة بذلك الوصف الحاد، أنه ربما كان بسبب كثرة أسواق الأسماك بها، والتي كان يصطادها الصيادون؛ نظرا لموقع هذه المدينة علي سواحل البحر الأحمر، وكان من أسباب نتن هذه المدينة من رؤية ابن بطوطة أنه كان يكثر بشوارع هذه المدينة دماء الإبل، والتي كان السكان يقومون بنحرها، لاسيما في الأزقة والشوارع الضيقة.

وهذا يناقض إلى حد ما وصف ذات الرحالة الآنف لهذه المدينة، حيث كان قد ذكر بأنها مدينة كبيرة، وأنها في ذات الوقت ذات أسواق عظيمة، وهو ما يشير لوجود بعض التناقضات الواضحة فيما يخص وصف بعض المؤرخين والرحالة لبلاد الزيلع أو مدينة “زيلع” بصفة عامة، ومملكة أوفات بوجه خاص.

وفي ذات الصدد، يبدو بشكل جلي أن الرحالة ابن بطوطة كره مدينة “زيلع” وانه لم يُرد الإقامة بها لمدة طويلة، حيث انه لم يبت ليلته التي وصل فيها في تلك المدينة.

ومن المؤكد أن السبب وراء ذلك الإعراض عن المبيت بها، عدم نظافتها، وكذلك كثرة نتنها حسب رواية ابن بطوطة؛ ولذلك أعرض عنها وعن الإقامة فيها
وحتي نكون أكثر إنصافا، فان مدينة “زيلع” ربما بمحض المصادفة كانت شوارعها غير نظيفة في ذات الوقت الذي قدم إليها ابن بطوطة، وهذا لايعني بالضرورة أنها كانت علي هذا الحال السئ علي الدوام، لاسيما وأنها كانت مدينة تجارية مهمة ذاعت شهرتها في الحركة التجارية إبان حقبة العصر الوسيط. +*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى